الثقافة الوطنية بين الرثاثة والريع

بقلم: حمزة عمر

عند الحديث عن الثقافة الوطنية في تونس، هناك صور معيّنة يمكن أن تخطر بالبال: قاعة صغيرة الحجم في دهليز أو ما يشبه الدهليز. القاعة لم تُطل منذ سنوات عديدة، ولذلك تنتشر بقع من الاسمنت على طول جدرانها. هناك عدد من الكراسي المتهالكة مخصّصة لجلوس الحاضرين، إضافة إلى كراس محطّمة ملقاة في طرف القاعة. أمام طاولة عتيقة عليها مفرش مثقوب، يجلس كهلان، أحدهما الكاتب والآخر صديقه. ينظّر الأوّل بعبارات فخمة حول قضايا صعبة، ويوافقه الثاني في حماس معتبرا ما قيل فتحا معرفيّا عظيما ويتأسّى لكون صاحبه لم يحظ بما يستحقّه من الاهتمام. تدور الكلمة بين الحاضرين الستّة ليتداولوا تقريظ الكاتب، ثمّ يتسلّل أغلبهم قبل نهاية الجلسة، فلا يبيع الكاتب أكثر من نسخة أو نسختين. قد يكون هناك بين الحاضرين شاب أو شابان حضرا بدافع الفضول، ولم يستوعبا شيئا، وقد يقرّران عدم الحضور مجدّدا إلى مثل هذه التظاهرات.

طبعا لا تختزل هذه الصور كلّ المشهد الثقافي بتونس. يمكن أن تخطر بالبال مشاهد أخرى عن حفل استقبال بفضاء ثقافي خاص بإحدى ضواحي العاصمة احتفاء بالفيلم الجديد لمخرج لا يعرفه إلّا ثلّة من صحبه الّذين يرطنون طويلا عن تأثّره بجون لوك غودار. قد يكون المحتوى ذا جودة، لكنّه لا يروم بأيّ حال من الأحوال التأثير بشكل إيجابيّ في نظرة عموم المتابعين من أفراد هذا الشعب، ولذلك من الصعب أن ندرجه في إطار ما نسمّيه الثقافة الوطنية، وهي الّتي تروم ذلك، وعادة ما ترتبط، لأسباب هيكليّة تاريخية، بالدولة.

لم تخرج الثقافة الوطنية منذ عقود عن تصوّر إداري ضيّق للغاية.  اختارت الدولة منذ السنوات الأولى للاستقلال اتّباع سياسة “الدولة المخطّطة” في الميدان الثقافي1، أي الدولة الّتي تخطّط وتصمّم وتنفّذ المشاريع الثقافية عبر هياكلها على المستوى الوطني والجهوي والمحلّي. قد يكون اختيار هذا النموذج وجيها في تلك الفترة من تاريخ البلاد، وقد يكون ساهم فعلا في إرساء ثقافة وطنية عبر تمكين الشباب خاصة من الفضاءات الملائمة لتنمية مواهبهم الأدبية والفنيّة ومن التعرّف على أبرز المنتجات الثقافية لعصرهم. غير أنّه بمرور الزمن، أنتجت هذه السياسة بنية بيروقراطية ثقيلة لا تبحث عن أيّ تغيير.

لدينا في تونس حوالي 225 دار ثقافة. هي بنية تحتية هامة ومنتشرة في مختلف أنحاء البلاد، لكن ما الّذي تقوم به هذه الدُور فعلا؟ التأثير إيجابا على ثقافة من يقطنون بجوارها ليس من أهدافها، بل أنّ الكثيرين منهم لا يعلمون حتّى بوجودها. هناك تقارير إدارية ترفع عن عدد الأنشطة (لا يهمّ من حضرها وكيف أثّرت فيهم)، وهناك عدد من خرّيجي التعليم العالي يتقاضون أجورا كمنشّطين. يبدو أنّ هذا في حدّ ذاته كاف لإرضاء الدولة، ممثّلة في مسؤوليها، عمّا تفعله في هذا المجال. صحيح أنّ نقص الإمكانيات قد يلعب دورا في ذلك، لكن كان بالإمكان تجاوزه لو وُجدت هناك إرادة لذلك. لذلك تسود مظاهر الرثاثة المذكورة آنفا والمنفّرة من العمل الثقافي دون انزعاج يُذكر من السلطات الثقافية. وإن وجدت بعض المحاولات لتجاوزها، فذلك راجع في العادة إلى الجهود الفرديّة لبعض العاملين الّذين مازالوا متمسّكين بحماسهم رغم غياب التشجيعات.

حوّلت هذه الرؤية البيروقراطية المجال الثقافي من قاطرة لتغيير العقليات إلى مجرّد ريع. هذه الكلمة أصبحت متداولة اليوم عندنا في عديد المجالات، لكنّها ربّما لا تصدق على أحدها كما تصدق على الثقافة. جميع آليات الدعم أبواب مشرعة على الفساد والمحسوبية. لا تخضع شراءات الكُتب في وزارة الثقافة عادة إلى مقاييس تتعلّق بالجودة بقدر ما تخضع إلى علاقات الناشر بالمسؤولين القائمين على هذه الشراءات. كذلك الأمر فيما يتعلّق بدعم الأفلام والأعمال المسرحيّة. قد تشتري الوزارة عددا من العروض ترضية لصاحبها، ولا يهمّ فيما بعد إن عرضت أمام قاعات خالية. منذ بضع سنوات، فجّرت المرحومة نورة البورصالي مفاجأة لمّا صرّحت، وهي آنذاك عضوة لجنة التشجيع على الإنتاج السينمائي، أنّ الوزارة تدخّلت لإضافة أفلام إلى قائمة الدعم لم تصادق عليها اللجنة، وسبق أن تحصّل أصحابها في الأعوام الماضية على مبالغ ضخمة. لم يل هذا التصريح طبعا أيّ تحقيق جدّي.

توفّرت لبلادنا فرصة استثنائية خلال العشريّة الفارطة لتتحوّل إلى قطب ثقافي داخل العالم العربي، ذلك أنّها كانت لعدّة سنوات البلد الوحيد في المنطقة الّذي له مناخ من الحريّات قادر على استقطاب المثقّفين والمبدعين العرب لإنتاج أعمالهم انطلاقا من تونس من دون الرقابة المسلّطة عليهم في بلدانهم. كان من الممكن اغتنام هذه الفرصة لو كانت هناك رؤية حرصت بشكل جدّي على ذلك، لكنّنا في بلد الخُطب، لا بلد الرؤى.

في كتابه المعنون “في الجماليات”، يتحدّث ادغار موران عن ارتباط الإبداع الفنّي لفترة طويلة بدعم المحسنين والرعاة قبل أن يستقلّ عنهم تدريجيّا ليُصبح في تبعية متنامية للسوق ويتحوّل إلى سلعة. ليس لنا في تونس، على كثرة الترنمّ برأس المال الوطني، من الرعاة (mécènes) من يتّجهون بشكل جدّي إلى دعم الثقافة إلّا إن كانت في إطار مهرجانات تقوم بالإشهار المباشر لمنتجاتهم. أمّا التبعية للسوق، فلا زالت محدودة، ولكنّها تتنامى كما نراه في “أعمال الرجل الواحد” الّتي لا تنفكّ تلقى إقبالا عريضا. بين هذا وذاك، ما يزال للدّولة دور تلعبه في هذا المجال، ولكنّه يرتبط أوّلا وبالأساس بمراجعة سياستها (أو لا سياستها) الحالية والإجابة عن سؤال: أيّ ثقافة نريد؟

 

1حول نماذج تدخّل الدولة في الثقافة، انظر: عائشة القلّالي، “في مفهوم السياسة الثقافية”، الحياة الثقافية، عدد 247، جانفي 2014، ص. 94 وما بعدها.

 

نشر هذا المقال في مجلّة حروف حرّة، العدد 13، مارس 2022، ص. ص. 12-13.

للاطلاع على كامل العدد: http://hourouf13.tounesaf.org

 

 

Please follow and like us:

اترك رد

Verified by MonsterInsights