الهويّة كمرساة

 

بقلم: حمزة عمر

تحتاج السفينة إلى مرساة لتثبت في مكان ولا تغادره. لكنّها لن تتمكّن من الإبحار، وهو غاية وجودها، إلّا إذا رفعتها.

العلاقة بالهويّة تشبه علاقة السفينة بمرساتها. نحتاج أحيانا إلى مقدار من الثبات لنتفادى عصف الرياح ونشعر بشيء من الأمان. لكن إذا تمسّكنا بهذا الأمان كلّ الوقت إلى حدّ أنّنا لا نغادر مكاننا أبدا، فإنّ الحالة تضحي مرضية. وفي الحقيقة، لهذه الحالة اسم في علم النفس وهو الميتاثيسيوفوبيا Metathesiophobia أو الخوف من التغيير.

لا شكّ أنّنا في المجتمعات العربية بلغنا هذه الحالة منذ أمد. لم يكن الصراع السياسي حول مسائل الهوية في تونس بعد الثورة غير انفجار لما كان يعتمل داخل المجتمع منذ عقود، إذ لم تلق عملية التحديث الّتي أشرفت عليها الدولة منذ الاستقلال كلّ الدعم من قبل المجتمع، وكان هناك طول الوقت من يعتقد أنّنا نبتعد كثيرا عن جذورنا العربية الإسلامية وأنّ ذلك سبب آفاتنا.

كان النقاش حادا خلال فترة وضع الدستور حول مسألة الهويّة، لكنّه لم يكن قطّ عميقا. لم نخرج منه إلّا بصيغ توافقية فضفاضة من قبيل الفصل الأوّل من الدستور أو من قبيل التنصيص على دعم اللغة العربية مع الانفتاح على اللغات الأجنبية (الفصل 39). هي الصيغ التي ترضي الجميع بينما يؤولها الكلّ كما يسوّل له هواه.

هذا التمزّق بين الهويّة والحداثة، وهو ما نعيشه منذ بدايات النهضة العربية في القرن التاسع عشر، يمنعنا طول الوقت من أن نعيش عصرنا. لا نعترف بهويّتنا بكونها ما نحن عليه الآن، وإنّما ما كنّا عليه. الهويّة عندنا تراث. هي ماض. هي مجدنا السابق. وكأنّنا لا نرى سبيلا غير الماضي نتوجّه به نحو الغد.

توقعنا جدلية “التوفيق” الّذي طالما نودي به في ضروب من الحلول التلفيقية، عن حسن نيّة في بعض الأحيان. من قبيل ذلك ما يقوم به “المجدّدين” لإيجاد ضرب من الحداثة قبل أوانها في النصّ القرآني، من قبيل أنّ ضرب المرأة يعني الابتعاد عنها ومن قبيل أنّ قطع يد السارق يعني قطع الأسباب إلى السرقة ومنها الفقر. هذا السعي إلى ليّ عنق النصوص لإيجاد منفذ يمكنّ من تأويلها تأويلا تقدميا لا يختلف في جوهره عن المنطق السلفي الّذي لا يعطي النصّ معنى غير ما قال الأقدمون، حتّى إن نطقت عباراته بغير ذلك. في الحالتين، يقع إسقاط رؤية على النصّ وفق ما يُريد المؤوّل منه، دون الاكتراث بسياقه وتاريخيّته.

إنّ الدعوة إلى إيجاد صيغة تلائم بين التراث والحداثة هي أحد الأوهام الكبرى الّتي ورثناها منذ عصر النهضة. حتّى على المستوى اللغوي هما على طرفي نقيض. في حقيقة الأمر، هما طريقان منفصلان: أوّلهما أن ننام مطمئنين في رمس آبائنا العظام، ولا نبالي كيف تقدّم غيرنا وتخلّفنا نحن (وهي الإشكالية التي ظللنا نلوكها)، وثانيهما أن نختطّ لنا سبيلا نحو الغد بعد أن نلقي ما نحمله فوق ظهورنا طوال قرون من رفات الموتى… لنتبنّ الديمقراطية دون أن نبحث لها عن تأصيل مختلق في الشورى… لنلغ الحدود البدنية دون أن نحتاج إلى البحث في مختلف التفاسير عمّا يمكن به “فهم النص فهما مختلفا”… لنسوّ بين الجنسين دون أن نبحث عن تبريرات لذلك في الأدلة الشرعية…

لا يعني ذلك غياب المآخذ على الحداثة. لكنّ الفرق أنّ النقد من جوهر الحداثة ذاتها ولا تتطوّر إلّا به، في حين أنّ للتراث قداسة تجعله يقع فوق كلّ جدل، وهذه القداسة الّتي لم تفكّك هي عين المرساة. لا يعني ذلك أيضا ألّا تكون لنا هويّة. علينا أن نتذكّر أنّ السفينة تحمل مرساتها معها دائما ولا تلقيها إلّا حين يقتضي الأمر ذلك، لكنّ قدرها هو الإبحار…

نشر هذا المقال في مجلّة حروف حرّة، العدد العاشر، ديسمبر 2021، ص. 3.

للاطلاع على كامل العدد:  https://tiny.cc/hourouf10

Please follow and like us:

اترك رد