طقوس الاستمطار بشمال إفريقيا: أمك طنبو، أسطورة أنزار، أسطورة تاغونجا

بقلم: أكرم بن عمارة

كوّن الإنسان منذ البدءِ طقوسًا ومعتقدات ليتكيّف مع الطبيعة المُعاشة أوّلا، وثانيا لحاجته لإخضاعها وتأنيسها وفهم ظواهرها والسّيطرة على تحوّلاتها. فهي تندرج ضمن التّراث اللاّمادي الشّفوي المتنوّع الذي عملت الذّاكرة الجماعيّة على حفظه وصونه باعتباره مستمدا من أعماق الحسّ الرّوحي عند الإنسان الأوّل الذي لجأ إليها كلّما قست الطّبيعة واشتدّت وطأتها وعمّ الجفاف والقحط.

وقد جاءت هذه الطّقوس والمعتقدات كسبيل للخلاص ودرءِ الخطر وجلب الخير وتسهيل العيش، وهي من الطّقوس والشّعائر الشّعبية الضّاربة في القدم انطلاقا من الحضارات القديمة وصولا إلى شمال إفريقيا بمختلف أنحائها ومناطقها سواء النّاطقة بالأمازيغيّة أو العربيّة العاميّة. نذكر من هذه الطقوس “أسطورة تاغونجا” بالمغرب، “أمّك طنبو” بالبلاد التّونسية و”أنزار إله المطر” بالجزائر التي تُعدّ من أقدم الشّعائر الاستسقائيّة حين تكون الأرض والمحاصيل مهدّدة بالجفاف والقحط والتّلف.

فالمتكلّس العقدي لهذا المشترك الإنساني الكوني في الموروث الشعبيّ ما هو إلا تواصليّة لمعتقد الأجداد وموروثهم وما يحمله من توظيف للمقدّس الذي تجسّد على هيئة دمية عملاقة.        

تتشابه طريقة ممارسة هذا الطقس بعناصره الرّئيسيّة في مختلف المناطق، ولم يتمّ تسجيل إلاّ اختلافات شكليّة طفيفة جدّا فيما بينها.

أسطورة “الإله أنزار” وعروس المطر

تزخرُ الميثولوجيا الأمازيغيّة بمعتقدات شعبيّة، لازالت راسخة في ذاكرة أمازيغ الجزائر، حيث تعتبر أسطورة إله الماء “أنزار” من الأساطير الشعبيّة التي نسجها المخيال الشعبيّ الجزائريّ، حيث تروى قصة حبّ أسطورية بين إله الماء والفتاة تاسليت وزواجهما المبارك الذي يعيد الماء إلى القبيلة وسكّانها من جديد.

وفي البداية وقبل أن يلتقي الإله أنزار بالفتاة، كان الأهالي يتعاملون معه من خلال طائر السّنونو الأسود الّذي يرسله كل فترة ليبشّر النّاس بنزول المطر حتى لا يصيبهم اليأس. ولأنّ الأمازيغ كانوا يعتقدون أنّ هذا الطّائر مبعوث من عند الإله أنزار، كانوا يمسكونه ويخضبون رأسه بالحناء تبرّكا وتيمّنا وتقرّبا منه.

وعندما رفضت الفتاة الزّواج منه، أصبح أنزار يعيش في حالة تتراوح بين الحزن والغضب، فحبس الماء عن القبيلة كعقاب منه، فأصابهم الجفاف.

وتحكي لنا الأسطورة في البداية أنّ إله المطر أنزار لمح فتاة فائقة الجمال عند النّهر، وكانت هذه الفتاة عاشقة للمياه تغتسل دائما، فنزل إليها وتجسّد على هيئة شاب جميلٍ، غازلها وأنشد يعرّف بنفسه:”أنا أنزار إله الماء ومصدره، أنا أنزار مصدر الحياة”. أحبّها حبّا جنونيّا وأعجب بها، وتنازل عن كبريائه وصارح الفتاة تاسليت بحبّه وطلب منها الزّواج، إلا أنّها رفضت طلبه واعتبرت مواعدتها لأنزار خيانة لأهلها وقبيلتها. عاد أنزار إلى السّماء غاضبا حزينا، فحبس الماء عن القرية وأهلها فأصابهم الجفاف وعمّ القحط ولم يعد هناك أيّ غذاء، وحلّ عقاب أنزار الّذي لا يرحم. فما كان للفتاة إلا أن باحت بسرّ لقاءها بأنزار وغضبه عليها. وقتها قام الأهالي بإقناع الفتاة بمقابلة الإله وقبول الزواج منه والارتقاء معه إلى السّماء بعد أن لبست من الملابس أحسنها ووضعت من العطور أطيبها.

أصبحت تاسليت عروس أنزار، فحملها بين ذراعيه وعاد بها إلى السّماء، فنزل المطر وعمّ الغيث القرية وأهلها وارتوت محاصيلها. وجعلت تاسليت حياة أنزار مليئة بألوان السّعادة والخير، وما قوس قزح حسب الأسطورة الأمازيغيّة إلاّ ظلٌ الطّريق الذي عرّج به الزّوجان نحو السّماء.  يعبّر نزول المطر وعودة الحياة إلى القرية وجريان العيون وتدفّق الأنهار والأودية عن رضا إله المطر. لذا فإنّ الأمازيغ بالجزائر يتبرّكون بأنزار وعروسه حين يطوفون وهم يردّدون أهازيج وأغاني تمدح ربّ المطر وتتغزّل بعروسه من أجل طلب عطفه لسقي الأرض بمائه. ومازالت هذه الثقافة الشّعبية حاضرة عند الجفاف لنستشفّ منها أنّ ثقافة الشعوب وتواصليّتها ماهي إلاّ ذاك الزخم من الإيمان العجائزي بتلك الأساطير التي هي من صنع الإنسان ذاته.

طقس “أمّك طنبو “أو “أمك طنقو”

طقس أمك طنقو. المصدر: zaherkammoun.com

“أمّك طنقو” هي عادة قديمة تقليديّة في تونس، استنبطها الإنسان وصنع ملامحها لطلب الغيث والاستسقاء، وهي مستمدّة من رموز من حضارات قديمة قدّسها المخيال الشعبي، ونعني هنا تحديدا الإلهة تانيت

“أمّك طنقو” هي عبارة عن عروس يدويّة الصّنع، تقوم عجوز القرية أو البادية بصنعها بحيث تربط قطعتي خشب بشكل متقاطع يبه الصليب وتلبس ثياب مزركشة وتوضع عليها قلادة من “السخاب”، والغالب تكون كسوة “أمك طنقو” خضراء اللون لرمزية اللون الأخضر الذي يحيلنا إلى الخصب والإخصاب، أمّا وجهها فيكون على شكل كرة بيضاء من القماش محشوّة بالصوف بعد ذلك يعطى المجسّم للصّبايا ليقمن برحلة التّطواف بين الأزقّة والأنهج، وكانت النّساء بالحيّ يخرجن ويرششن الدمية بالماء. فإن لم ينزل الغيث يقمن بحرقها. لكن عند نزول المطر يغنّون:

 ”أمّك طنقو يا الأولادغسلت راسها في الواد

أم طنقو شهلولة على الله تروّح مبلولة

أمّك طنقو بسخيبها طلبت ربي ما يخيبها

يا الله وڨرين فوليا الله وصبح مبلول

يا الله و ڨرين فلفليا الله وصبح متفلفل

 يا بركة يا هو يا هووالشباك إلا زارو

يا بركة جامع المستيرصبح كل غدير تسيل

 يا الله وعجيلة تسنىيا الله وتروح بكرى

الزريعة تحت الطوبحزّ عليها يا مطلوب

الزريعة في الرواني حزّ عليها يا فوڨاني

 

أسطورة “تاغونجا” بالمغرب

أسطورة “تاغونجا” هو المعتقد الذي يلجأ إليه المغاربة لطلب الغيث كلما اشتدّت السّنوات العجاف. تمشي النّساء حافيات الأقدام في مواكب يتقدّمها الأطفال والصبيان تيمّنا ببراءتهم وقربهم من الله باعتبارهم “أحباب الله”، وقد حملن دمية ألبست أفضل الملابس وأجملها وهم يردّدون شعارات خاصّة بالمناسبة.

طقس تاغونجا. المصدر: benisnassen.com

 وغونجا أو تاغونجا –بحسب اللّسان الدّارج- هي اسم لشخصيّة أسطوريّة ضاربة في القدم الّتي تتحدّث عن تلك الفتاة الّتي عشقها إله المطر وطلبها لنفسه، ولكنّها رفضت، فغضب منها وأدار خاتم إصبعه فجفّ النّهر الّذي كانت تستحم فيه، وأمام هذا التحوّل الخطير، خلعت الفتاة الجميلة لباسها الحريري ووقفت وسط النّهر الجافّ وظلّت تناجي ملك المطر إلى أن عاد من السّماء فضمّها إليه وأخذها معه ، فعاد النّهر إلى سابق عهده في الجريان، واخضرت الأرض .لذلك يعمد أهالي دواوير البادية خاصّة النّساء منهم، إلى الاستعانة بـ”الطرّاحة” أو “الرماية” المستعملة في طرح العجين في الفرن، وفي بعض المناطق يستعان بالمغرفة (الغونجية) ملعقة كبيرة تستعمل في تحريك الطعام لصناعة الدّمية القماشيّة “تاغونجا”، إذ يقمن بتلبيسها زيا نسائيّا من أفضل ما ترتدي النّساء، ويضعن منديلا ليشكلن به الرّأس حتّى توحي للرّائي بخيال امرأة، فيرفعنها في مسيرة وجهتها مسجد الدوار أو أحد الأضرحة. ومن ضمن الأهازيج أو الأغاني التي يتم ترديدها على طول المسير:

يا ربي غيثنا حتى يقطر بيتنا”،

غونجا يا مونجا واللي طلبناه راه جا”،

الفولة عطشانة سقيها يا مولانا”،

غونجا، يا ربي جيب الشتا”

يفعلن ذلك على مسافة طويلة وهنّ يدققن أبواب البيوت، ليقع رشّ الدمية بالماء ولتجميع العطايا من (القمح والسّميد والشّعير وما إلى ذلك) وتنتهي هذه الجولة بالوصول إلى ضريح أحد الصّالحين أو مسجد القرية، ثمّ يعمدن إلى الطواف بالضّريح أو المسجد شريطة أن يكون عدد الدورات وترا قبل العمل على طهي الطعام بما تمّ تجميعه طيلة التطواف بالمنازل ويتمّ توزيعها على شكل أطباق (يختلف الطعام المقدّم حسب الثقافة الغذائيّة لكل قرية) لجميع أهل القرية. تختلف داخل المجال الواحد مراسم الاحتفال بهذا الطقس، فهناك من يقومون بإيكال المهمّة إلى عجوز في القرية تعرف بالورع لتختار أجمل فتاة بينهم وتعطيها مجسّم “تاغونجا” (الدّمية القماشيّة) لتحمله وتطوف به. وكذلك لاحظنا في بعض البلدان العربية كفلسطين مثلا أنّ الأهالي بعد نهاية التطواف بما يرافقه من أغاني وأهازيج بإلقاء الدّمية في النّهر، ويعتقدون أنّه إذا جرفها النهر علموا أنّ السّنة ستكون سنة خير وأنّ الأمطار ستنزل بكثرة وإذا استقرت في النهر كانت سنة قحط وجفاف.

مواطن التشابه والالتقاء

كانت الغاية المشتركة بين كلّ هذه الطّقوس تاريخيّا طلب الماء والسّقي، وكان دافعها هو انعدام الماء وندرته. ولكن كلّ على طريقته وممارسته الّتي وإن اختلفت قليلا إلاّ أنها اتّبعت في العموم خيطا ناظما.

في طقس أمك طنبو، يتجسّد هذا التّراث من خلال حضور عناصر أساسيّة لا غنى عنها ليكتمل هذا الطّقس وهم الأطفال استئناسا ببركتهم وقربهم من الله والدّمية القماشيّة الّتي تتشكّل وتصنع على هيئة صليب من الخشب أو القصب لتوضع عليه الخرق والشّوالق من مجموعة من المناديل الخضراء تبرّكا برمزيّة هذا اللّون الّذي يرمز للخصب والإخصاب وثقافة الحياة التي تجسّد في مظهره العام صورة امرأة تغيب عنها الملامح ويحضر شكلها، وكذلك نجدُ حضورا للعنصر النّسائي الذي تتمثّل مهمّته في رشّ الدّمية بالماء وإعداد الأكل (الحساء، الفول، الطرشي، البازين، وهي تمثّل عناصر الطّبيعة والغذاء) ولا ننسى الأهازيج والأغاني التي ترتفع مناجاة وتيمّنا.

تتشابه كلّ هذه العناصر مع أسطورة تاغونجا وتتقارب مع بعض الاختلافات البسيطة، إذ نلحظ حضور نفس العناصر من الأطفال والنّساء إلى التطواف والغناء والأهازيج وصولا إلى المشترك الأوحد الدمّية القماشيّة التي تختلف في عناصر صناعتها إلاّ أنّها تمثّل الراّبط الأوحد والّذي لا يغيب بالمرّة. أمّا أسطورة إله المطر انزار، فيمكن اعتبارها، حسب التّسلسل التّاريخي للروايات، الانطلاقة الأولى لكل هذه التّعابير والمنشأ الذي اختلقت منه أمّك طنقو وتاغونجا

مواطن الاختلاف

رغم التّشابه والتّطابق النوعي لطقسي أمّك طنقو وتاغونجا إلاّ أنّ هذا لا ينفي وقوفنا عند بعض الاختلافات الّتي ذكرنا أنّها تعود إلى رواسب ثقافات العيش واختلاف البيئات الّتي تقام فيها هذه الممارسات والعادات ،ونذكر من الاختلافات بين هاتين الأسطورتين الهيكل الذي يتم إلباسه حيث نجد في تاغونجا “الغونجية” أو المغرف المصنوع من اللّوح في حين نجد عمودين على شكل صليب من الخشب أو القصب في أمّك طنبو، وكذلك نجد اختلافا في اللّباس الّذي يعتمد في تلبيس الدّمية حيث تعتمد الشّوالق والخرق في أمّك طنقو بينما نجد في طقس تاغونجا ملابس وأزياء جديدة تلبسها النساء في الأعراس والاحتفالات كما توضع عليها أحسن العطور وأطيبها، إضافة إلى ذلك نجد في طقس تاغونجا عادة تتمثّل في إلقاء الدّمية أو المجسّم بالنّهر أمّا في عادة أمّك طنقو يتمّ حرقها إذا لم ينزل المطر. ولا ننسى أن ننوّه إلى اختلاف الكلمات في نصّ الأغاني والأهازيج والأكلات الّتي يتمّ إعدادها في نهاية الطّقسين وذلك يعود إلى اختلاف المعاش بين الشّعوب مع العلم أنّ هذا التغيير يشمل الشّكل ولا يمسّ من الغاية من هذه العادة.

أمّا أسطورة أنزار، فتغيب فيه كل العناصر الّتي يشترك فيها الطّقسان الآخران (مجسّم الدمية، حضور الطعام والأطفال). في المقابل، يشتمل أنزار على العنصر الذي استُلهمت منه أمّك طنبو وتاغونجا، ممثّلا في الفتاة الآدميّة والسماء الذي ارتقت إليها استجابة لطلبه. في تتبعنا للسيرورة التاريخية والكتابات التي أرخت لتسلسل هذه الميثولوجيا القديمة، نتبيّن  أنّ كلّا من أمك طنقو وتاغونجا إرث ثقافي ولدا من رحم الأسطورة الأمّ، أسطورة أنزار،  وتطوّرتا انطلاقا منه ،فحاجة الإنسان الماسّة للماء جعلته يطوّر هذه الأساطير ويغيّر في طرق التّواصل مع الإله.

 

تبقى طقوس الاستمطار بالأساس وسيلة للنّجاة والخلاص والتقرّب والتضرّع لمن يعتقد فيه الإنسان خلاصه ونجاته وتبقى مكرّسة ومعمولا بها إلى يوم الناس هذا لأنّها تشكّل رواسب من تراث الأجداد الثّقافي غير المادي الّذي وقع توارثه وجرى الاعتقاد به جيلا بعد جيل.

 

أهمّ المراجع

  • William Marçais et Abderrahmân Guîga, Textes arabes de Takroûna, Imprimerie nationale/Centre national de la recherche scientifique/ P. Geuthner, Paris, 1925.
  • Jean Servier, Tradition et civilisation berbères : les portes de l’année, Editions du Rocher, Monaco, 1985
  • ميرسيا إلياد، مظاهر الاسطورة، ترجمة نهاد خياطة، دار كنعان للدراسات والنشر، دمشق، الطبعة الأولى، 1991.
  • ألفريد بل، بعض طقوس الاستمطار لدى المغاربيين، ترجمة سمير آيت أومغار ، منشورات الزمن، المغرب،2016
  • جيلبير ديوران، الانثروبولوجيا: رموزها، أنساقها، أساطيرها، ترجمة مصباح الصمد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثانية، 1993

صدر هذا المقال في مجلّة حروف حرّة، العدد الرابع، جوان 2021، ص. ص. 10-12.

لتحميل كامل العدد :  http://tiny.cc/hourouf4

Please follow and like us:

اترك رد