في سيكولوجيا الضحية والشخصية المهزومة

                     “أنت اثنان: واحد يتوهم أنه يعرف نفسه، وواحد يتوهم أن الناس يعرفونه”

                                                                                         جبران خليل جبران

يحكى أن الإمام مالك بن دينار صعد المنبر ذات جمعة يخطب في الناس ويعظهم وكان كلامه  مؤثرا جدا حتى أن جميع الحاضرين إنخرطوا في بكاء مر من شدة التقوى والورع على مايبدو. وبعد أن فرغ من الصلاة بهم إلتفت إلى المصلين حانقا، وكان قد تفطن لسرقة مصحفه، وصاح فيهم” ويحكم تبكون جميعا من شدة الإيمان، فمن سرق مصحفي؟؟”.

تحضرني هذه القصة في كل مرة أتصفح فيها صفحات الفايسبوك التونسية والعربية عموما حيث يُظهر الجميع نبل الأخلاق وسمو الروح ورهافة الحس والعاطفة ويقدمون أنفسهم على أنهم ضحايا لطيبة قلوبهم وغدر الآخرين فلا يسعني إلا أن أسأل بسذاجة “إن كان الجميع ضحايا فعلا، فبالله عليكم من هم المذنبون. هل أن الضحايا في الفايسبوك والمذنبين في تويتر مثلا !!!”.

         على أني أعتقد أن هذه الإدعاءات ليست إلا إنتاج أصلي لثقافة عربية بامتياز وهي ثقافة الضحية أو البطولة السلبية. حيث يستمرئ الفرد العربي لعب دور الضحية بل يتلذذ ويستمتع أيما إستمتاع بتجسيده فتجده يسعى لخلق عدو أو طرف يحمله المسؤولية أولاصطناع عداوة غير موجودة أصلا في غالب الأحيان ولكنها ضرورية لاستكمال سيناريو المؤامرة التي سيكون ضحيتها.

         ومنهجيا تعتبر هذه الثقافة من أخطر الثقافات السلوكية على الإطلاق لأنها ترفض الإعتراف بالمسؤولية الذاتية وبالتالي تنفي كل نقد ذاتي وكل تقييم موضوعي قد يؤدي إلى إصلاح الهفوات الذاتية وتجاوز الأخطاء. وفلسفيا يمكن أن نجد أساسا لها في الكلبية الحديثة le cynisme moderne أو السارترية حيث يشكل الآخر كل ما هو شر مطلق وتحتكر الأنا الفضيلة المطلقة.

         ومن عوارض هذه الثقافة على المستوى الجماعي أن تجد الشعوب العربية مثلا تحمل مسؤولية تخلفها كاملة لحكامها الذين يتهربون بدورهم من الإعتراف ولو جزئيا بهذه المسؤولية ويلقون باللائمة على الإستعمار حينا وعلى إسرائيل والدول الغربية أحيانا وقد يذهب بعضهم إلى تحميل المسؤولية كليا للشعب الذي بادر بالشكوى.

         أما على المستوى الفردي فإننا نجد الفرد العربي المنتحب الذي يمضي حياته يبكي الظروف وقسوتها ويندب حظه فتراه طالبا فاشلا يحمل الأستاذ والمنظومة التربوية كامل المسؤولية عن فشله وتراه يافعا فشل في الحب ويحمل الآخرين المسؤولية عن ذوقه الرديء وعن شخصيته المنفرة التي لا تستكين لها نفس ولا تأمنها سريرة. وتراه كهلا أضاع أبناءه فينحو باللائمة على المدرسة وعلى القنوات الفضائية التي ضيعتهم وأفسدت أخلاقهم والأمثلة كثيرة.

         وثقافة الضحية بدورها هي سليلة سلوك مشين آخر ألا وهو الكذب على الآخرين وخاصة الكذب على الذات حيث يرسم الفرد العربي لنفسه صورة خيالية غير متلائمة بالمرة مع سلوكه اليومي الذي قد يكون معاكسا تماما للصورة التي يروجها لنفسه. فنجد مثلا من يتحدث عن الحب والصداقة وهو مسكون بعقد نرجسية قذرة وبعنصرية إثنية أوجهوية لا تجلب له منطقيا إلا صداقة وحب من كانوا مثله أو أسوأ. ونجد من يتحدث عن الذوق السليم وعن الوفاء وهو لا يتكلم إلا وجرح الناس وسخر منهم. كما نجد من يحدثك عن أوروبا والتقدم والسلوك الحضاري وإذا ركب سيارته خالف كل قوانين السير ولا يدخل مكانا إلا وترك فيه شيئا من فضلاته.

          وعلى النقيض من هذه الأوهام نجد ثقافة محاسبة الذات التي تسود الأقوام المتحضرة حيث يعترف كل فرد بمسؤوليته الكاملة عن إخفاقه ويسعى لإيجاد السبيل الكفيل بتجاوز ذلك الفشل بنفسه. وهي ثقافة محفزة لأنها تدفع الفرد لفعل المستحيل وللمقاتلة لآخر رمق للنجاح لأنه في صورة الفشل سيجلد نفسه لا غير. أما ثقافة الضحية فهي صنو ونظير لثقافة الهزيمة حيث يمكن أن ينسحب الفرد من نصف المعركة بل من ربعها وحتى قبل بدايتها لأنه سيجد ألف تبرير تافه لهزيمته أو لفشله دون أن يشعر بوخز الضمير.

                ولأن  الأدب مرآة الشعوب وضميرها فقد قال إيليا أبو ماضي مخاطبا الفرد العربي مستنكرا ومعاتبا:

                                           كم تشتكي وتقول إنك معدم

                                           والأرض ملكك والسما والأنجم

                                            هشت لك الدنيا فما لك واجم؟

                                             وتبسمت فعلام لا تتبسم؟”

         وفي الطرف المقابل هتف الشاعر النرويجي بجرنستجورن بجرنسن حاثا ومشجعا:

” بجل ربيع الحياة القصير

 الكامن في أصل كل شيء على الأرض

تذوق كل لحظة كتكريم للأبدي

الذي جبت به الإنسانية

في الدوامة اللامتناهية

وانتش

 وإن ضعيفا، و لا معنى لك

بأبدية هذا الدهر”

         هذا لا يعني قطعا أنه لا يوجد أشخاص طيبون فعلا وضحايا حقيقيين في أوطاننا العربية. هم طبعا موجودين ومن الحيف القول بعكس ذلك ولكن المغالطة الكبرى تكمن في تزكية النفس وفي كبت الضمير الفردي الذي لا يمكن بدونه أن نفهم حقيقة أنفسنا وأن نتواصل كما يجب مع الآخر وأن نبني مجتمع يعلو فيه صوت الفرح والتفاؤل بدلا عن صوت الأنين والشكوى والنواح.

Please follow and like us:

اترك رد

Verified by MonsterInsights