”تاريخ التكفير في تونس III“… جدل الإيمان والعلم

 

مصدر الصورة: صفحة دار مسكلياني على فايسبوك


بقلم: حمزة عمر

عليّ أن أعترف أنّي لم أكن متحمّسا كثيرا في البداية لمطالعة الجزء الثالث من تاريخ التكفير في تونس لشكري المبخوت والموسوم بـ”التكفير في الجامعة التونسية” (صادر عن دار مسكلياني للنشر، تونس، 2021). فبالاطّلاع على ما كُتب في ظهر الكتاب، كان من الواضح أنّ مضمون الكتاب يقتصر على تكفير المرحوم محمّد الطالبي لزملاء له من الأساتذة الجامعيين، على رأسهم حمّادي الرديسي وعبد المجيد الشرفي، وقد أحدث كتابه “ليطمئنّ قلبي” عند صدوره سنة 2007 ضجّة إعلامية في هذا الإطار.

كنت اطّلعت على “ليطمئنّ قلبي” فور صدوره، وكنت لا أزال طالبا. أذكر أنّ ذلك الكتاب أربكني. كنت وقتها مولعا بمسألة تجديد الفكر الديني واهتممت شديد الاهتمام بكتاب “الإسلام والحداثة” لعبد المجيد الشرفي. كنت أحسب أنّ الشرفي والطالبي (وكنت قد قرأت له “عيال الله” و”أمّة الوسط”) ينتميان إلى نفس المدرسة الفكرية ذات المقاربة السياقية التاريخية، فإذا بي أفاجأ أنّ الطالبي يتّهم الشرفي بالانسلاخ عن الإسلام! لم أجد لذلك سببا، لا سيّما مع الضعف المنهجي الواضح لـ”ليطمئنّ قلبي”، فاكتفيت بالقول: شيخ ناهز التسعين نكص عن منهجه العلمي ليوزّع التهم يمينا ويسارا… لنطو عن ذلك كشحا ولا نذكر عنه سوى ماضيه الأكاديمي المشرق. لم أظنّ أنّ مسألة الطالبي تستحقّ أكثر من ذلك.

يذهب شكري المبخوت إلى ما هو أعمق بكثير من هذه المقاربة البسيطة. منذ المقدّمة، يحاول الكاتب، انطلاقا من مناقشة أطروحة المرحوم عبد الله صولة حول الحجاج في القرآن سنة 1997، أن يجد سوابق لمحاسبة نوايا الباحثين في الوسط الأكاديمي التونسي. يعرض المبخوت لتطوّر فكر الطالبي، إذ رغم أنّه عُرف في أوائل التسعينات بتبنيه لنظرة مقاصدية يسميها القراءة السهميّة، كما نراها خصوصا في كتاب عيال الله (وشكري المبخوت كان أحد مُحاوِرَيه لإنجاز هذا الكتاب)، تعترضنا إشارات إلى الجذور التي نجدها في كتاباته منذ نهاية السبعينات للرؤية التآمرية للإسلام، رغم ما أشار إليه الكاتب من صمت الطالبي على جرأة بورقيبة في مقاربة المسائل الدينية، وهي إشارة لا تخلو من تعسّف على الطالبي، خصوصا مع الانطباع الذي يقدّمه الكاتب حول توسيم الطالبي من قبل بورقيبة، إذ تستبطن اتّهاما للطالبي بالمهادنة والتقيّة، في حين أنّه يمكن القول أنّ موقفه تطوّر تدريجيا، إذ نجد أنّ الطالبي قدّم موقفا إيجابيا من بورقيبة في بداية التسعينات قبل أن ينقلب فيما بعد إلى تكفيره. في الفصلين الثاني والثالث، يتمّ التطرّق إلى أكبر قضايا التكفير التي أثارها الطالبي، وهما على التوالي تكفيره لحمّادي الرديسي وعبد المجيد الشرفي. في الفصل الرابع، تُعرض أهمّ التفاعلات على ما حدث من جدل حول كتاب “ليطمئنّ قلبي”، ولعلّ أبرزها ما كتبه احميده النيفر وسامي براهم.

مربط الفرس في تكفير الطالبي لزملائه يكمن في علاقة البحث العلمي بالإيمان. إذا كان الحياد (أو الإلحاد) المنهجي شرطا مسبقا للبحث العلمي في العلوم الإنسانية والاجتماعية، بما يعنيه من نزع للقداسة عن النصّ الديني حين يكون موضوعا للبحث، فما هو انعكاس ذلك على المؤمنين بهذا النصّ؟ ألا تصبح تلك “اللامبالاة” التي يتعامل بها الباحث مع مسألة القداسة إلى أداة لزعزعة إيمان المؤمنين؟ وإذا ضُربت طمأنينة المؤمن، ألا يُدخلنا البحث العلمي في “عدمية مفزعة” على حدّ تعبير احميده النيفر؟ وهل من الضروري أن يكون الباحث مؤمنا لكي يبحث في مسائل ذات علاقة بالإيمان؟

لعلّ هذه التساؤلات يمكن أن تفسّر تحوّل محمّد الطالبي من موقع المؤرّخ الباحث إلى موقع المؤمن المؤدلج المنافح بعناد، لا يخلو من عامية، عن الإيمان كما يراه. وفي الحقيقة، تقع هذه التساؤلات في قلب مسألة التحديث كما تُطرح في مجتمعاتنا العربية الإسلامية منذ القرن التاسع عشر. ذلك الحدّ الفاصل بين تبنّي الحداثة (الغربية) والتمسّك بالهويّة (في بعدها الديني خصوصا) لا يزال مدار الجدل.  ولعلّ ذلك الشعور العميق بضعفنا الحضاري أمام الآخر المتقدّم هو ما يجعلنا سُرعان ما نُستفزّ أمام كلّ ما نراه تحديّا لقناعاتنا الدينية، حتّى إن لم يعدُ أن يكون تطبيقا جادا لمناهج البحث العلمي الحديث.

في هذا الإطار، يُمكن أن نعتبر كتاب شكري المبخوت الأخير دراسة حالة حول هذه العلاقة المتوتّرة بين الهوية والحداثة، وفي هذه الدراسة من الطرافة والجدّة، لا سيّما في اهتمامها بتفاعلات مختلف الكتّاب حول هذا الجدل وتقديمها لعناصر مهمّة في فهم شخصية الطالبي، ما يجعلها تذهب إلى ما وراء التناول الإعلامي السطحي لظاهرة محمّد الطالبي خصوصا كما رأيناه في عديد القنوات التلفزية بعد الثورة. على أنّ عنوان الكتاب يخاتلنا ويمنّينا بأكثر ممّا فيه، إذ لا نجد فيه خارج مثال الطالبي نماذج حقيقية لحالات تكفير داخل الوسط الأكاديمي التونسي. أخال أنّه كان من الممكن الإشارة مثلا إلى مختلف البيانات التكفيرية التي تبنّاها أساتذة جامعة الزيتونة بعد الثورة، خصوصا ضدّ تقرير لجنة الحقوق الفردية والحريّات. ربمّا يمكن تفسير هذا الإغفال من قبل الكاتب بأحد أمرين: إمّا أن يكون التعرّض إلى مثل هذه البيانات مخطّطا له في الجزء الموالي من “تاريخ التكفير في تونس” الذي سيتعرّض إلى التكفير بعد الثورة، وإمّا أن تكون مناهج جامعة الزيتونة تنتمي إلى عصر سابق على تقاليد البحث العلمي كما وقع إرساؤها داخل الجامعة التونسية.

صدر هذا المقال في مجلّة حروف حرّة، العدد الثاني، أفريل 2021، ص ص. 12-13.

لتحميل كامل العدد:  http://tiny.cc/hourouf2



Please follow and like us:

اترك رد