المنبوذ

بقلم: نورس زريبة

اليوم هو امتحان الفحص الطبي لذا قررت على غير العادة الحضور باكرا، رغم ذلك وجدت أني من آخر الواصلين كالعادة. لا أعرف رأي زملائي لكن الصباح الباكر لم يكن أبدا من أوقاتي المفضلة، أكره الاكتظاظ الصباحي، أكره السائقين النزقين الذين تراهم على طول الطريق، أكره زقزقة العصافير وأتمنى لو اختنقت بصوتها المزعج. آه! ولدي كره خاص جدا لتلك المقطوعة الشهيرة التي تذاع كل صباح في الراديو ” يا صباح الخير يلي معانا”، تلك المقطوعة كفيلة بان تبعث في نفسي الإحساس بالغثيان. أما الشمس، تلك الكرة الكبيرة الملتهبة التي تطاردني عادة بخيوطها المشعة كأخطبوط ذهبي عملاق لا يوجد لها أثر. فقد سحت السماء منذ البارحة وتواصل المطر إلى اليوم. يجب أن أعترف أني أحب الرازي في هذه الحلة الرمادية، إنها تلائمه كثيرا.

ابتعدت عن المجموعة بعض الخطوات، إذ أنني اكتشفت على مر السنين أن وجودي يثير موجة سلبية بين زملائي فتنقلب ملامحهم الشاحبة إلى سحنة عابسة، وكلما طاردتني نظراتهم المشمئزة ووشوشاتهم الساخرة  أخذت أفكر في سبب وجيه لها. فأنا لم أرتكب خطأ في حق أي منهم بل وأحاول قدر الإمكان أن لا يلاحظ وجودي، تماما مثل الحرباء سيد التخفي. منذ صغري كنت مولعا بهذا الزاحف. يجعلني هذا الولع أفكر في فلسفة تناسخ الأرواح ، ماذا لو كنت في حياتي الأخرى سحلية متخفية ؟

كيف لا والحرباء هو أسم مشتق من الفارسية خربا، وتعني محاربة الشمس ، وعدى محاربته للشمس هو أيضا انطوائي ولا يعيش مع حرابيّ أخرى ، مثلي تماما حتى أني أشبهه في المظهر.

بعد تفكير مطول، لم أجد سببا منطقي لرفض زملائي لي لكن كانت لدي بعض الفرضيات.  قد يكون السبب اختلافي. أنني مختلف عنهم لا أتبنى أفكارهم ولا سلوكياتهم لا أشبههم ولا أرضخ للضغط الاجتماعي بسهولة. وربما قد يكون شكلي، رغم أني لست قبيحا ولا جميلا، إلا أن لي عينين ناعستين واسعتين ووجها محايدا بلا ملامح بارزة. ابتليت بوجه حربائي يبعث النفور في نفوس بعض الخلق.

على كل حال، قررت أن اعفي زملائي من وجودي الغليظ وتوجهت إلى الكافتيريا لتناول قهوة أخرى، فجأة اقترب مني تسلا أحد مرضاي المفضلين متحصل على شهادة الدكتورة في الفيزياء تم تشخيصه مؤخرا بجنون الارتياب مصحوب بالوسواس القهري.

-لم لست صحبة les misérables ؟

هكذا كان يدعو تسلا المتربصين في المستشفى.

-لدي امتحان مهم اليوم وأفضل البقاء وحدي لأنظم أفكاري .

-يمكنني مساعدتك

-حقا، كيف هذا؟

-سأختبرك بسؤال سيساعدك على تنشيط دماغك الراكد. إذا لم تستطع الإجابة عنه ستشتري لي قهوة وسيجارة، ما رأيك؟

قلت مستهزئا: “وإذا أجبت إجابة صحيحة هل ستخضع للامتحان عني لأعتكف في سريري بقية اليوم؟”

رد بثقة كبيرة: “حسنا”

– أطربني إذن

–  ماهو الفرق بين الحالة الطبيعية والحالة المرضية؟

-ههه بسيطة….

La normalité fait référence aux repères sociaux et culturels. C’est une aspiration collective..

أشعل سيجارة ثم نظر إلى الأفق كأنه مل من حديثي :” سأقاطعك هنا. قل لي إذا ما رأيك في شخص يأكل لحم البشر، أهو تصرف عادي أم مرضي؟  ”

– بالطبع هو شخص مريض

– ماذا عن شيخ مارس الجنس مع فتاة في الثانية عشر.؟

– هذه بيدوفيليا وهو أمر غير مقبول في المجتمع.

– ماذا عن أم  تنبه ابنها خلال العاصفة وتطلب منه تغطية سرته كي لا يلتهمها إله الرعد.

– une mère psychotisante.

– نظر إلى مبتسما: ” جيد، لكنك لو كنت فردا من قبائل الأزتيك لرأيت تصرف أكل لحوم البشر كشيء عادي بل لو صادفت فردا من هذه القبيلة وقد ادعى أنه نباتي لقلت أنه  مجنون أما عن البيدوفيليا حتما انك تعرف أنها أمر مستحب في عديد الثقافات أما بالنسبة للأم فقد تكون أم يابانية تقليدية وعطوف، وخرافة إله الرعد هي حقيقة بالنسبة لها تناقلتها الأجيال التي تسبقها. أخيرا، أنظر إليّ… تدعونني بالمجنون لأني أسمع وأرى أكثر منكم وأفضل منكم، حتى انني أستطيع رؤية المستقبل في بعض الأحيان. أتعرف ماذا يطلقون علي في بعض الحضارات الاخرى؟ حكيم، شامان، مستنير، روحي، إله…أما هنا فأنا مجنون وأنت يا صديقي المنعزل ستلقى المصير ذاته، أستطيع أن أرى هذا في عينيك.

لا تخف من الأصوات التي في رأسك. إنها هنا لتؤنسك في غربتك، ستتعلم كيف تسيطر عليها، سأساعدك إن أردت. يجب أولا أن تطلق العنان لشياطينك عندها فقط ستكون حرا.”

حاولت إخفاء توتري والبقاء هادئا، فالله وحده يعلم كم أخاف هذا المصير وكم مرة كنت فيها على حافة الجنون: “لا أعتقد أني مجنون.”

– ومن قال أنك مجنون، أنت منبوذ مثلي ومثل هؤلاء ( أشار إلى بعض المرضى الذين يجبون الساحة كالأحياء الأموات)، تعيش على هامش المجتمع لا تفهم أحد ولا أحد يفهمك ترى العالم بطريقتك الفريدة وليس في ذلك خطأ.

ألقى تسلا نظرة مطولة علي ثم قال : “إجابتك خاطئة. ليس معنى أننا لا نشبه الأغلبية أننا مرضى. نحن فقط مختلفون.” ثم غادر وهو يضحك ضحكة هستيرية مرددا:  “لا تختبئ بعد الآن، يجب أن تطلق العنان لشياطينك عندها فقط ستكون حرا ”

استفقت من الصدمة تدريجيا ثم نظرت إلى ساعتي – يا إلهي، الإمتحان !

ذهبت مسرعا. انتظرت قليلا ثم حان دوري، قدمت المريض للجنة ثم حللت حالة المريض معللا  أن المريض يظهر علامات مرضية واضحة، وإذ بأستاذي الذي لا يبتسم أبداً يقاطعني:

– وماهو حسب رأيك الفرق بين العادي والمرضي؟

نزل علي السؤل مثل الصاعقة، تسارعت دقات قلبي وتصببت عرقا ، كيف تراه عرف ؟ لا، لا يمكن لشخص عاقل مثلي لا بل وطبيب أن يصدق مجنونا مثل تسلا. قد تكون صدفة وإلا ما التالي؟ أتراني أجن فعلا؟

 

Pin It on Pinterest

Share This