ابنة النرجس

بقلم: نورس زريبة

منذ كنت صغيرة كنت أعشق الدمى. كنت امتلك خزانة كاملة من دمى باربي، وكم كنت منبهرة بشعرها الأشقر وعيونها  الزرقاء وقوامها الممشوق، لم أكن أشبهها، بل كنت عكسها تماما، سمراء بعيون سوداء، لم أكن قبيحة لكن لم أكن جميلة مثل باربي كذلك.

كبرت ولم أتخلّ عن هوسي بدميتي المثالية،لم أخجل أبدا من هوسي، فما العيب في محاولة الوصول إلى الكمال ؟ ومالعيب في أنظر إلى نفسي في المرآة و أن اشعر بالثقة والحب؟ لذا قمت بعمليات شفط شد وتقشير وتكبير. كنت سعيدة بالنتائج. أصبحت الآن محط انظار مليون شخص  حاقد ، معجب و مهووس على مواقع التواصل.

و مع  هذه المواصفات لم يكن من الصعب العثور على زوج جميل الطلعة، أنيق، وذكي ، كان يشغل منصبا مهما في المجال الإعلامي، أما أنا فقد كنت عارضة أزياء على المستوى المحلي لكني تركت العمل بعد زواجي.

لم يكن زواجي من السيد  الأشقر الناجح الغاية, بل كان الوسيلة، وسيلة أضمن بها طريقةالعيش وجينات جيدة لصغاري، جينات لم أحصل عليها لأن والدي كانا غبيين قبيحين واقعان في الحب.

بعد بضعة أشهر، حصلت على البطن الدائرية التي لطالما أردتها، كنت أداعبها متخيلة شكل حياتي مع ابنتي. سنكون صديقتين, سنلبس فستانين متشابهين ، سنذهب للتسوق معا، سنأكل ونسافر ونضحك معا وسأحمّل المئات من صورنا على الانستجرام. سأسميها سارة على إسم ساره زوجة النبي إبراهيم. يقولون أنها أجمل نساء الأرض وكم ستكون ابنتي فائقة الحسن، ذات شعر أشقر، بشرة بيضاء ووجنتين ورديتين، ذلك النوع من الخدود الظريفة التي ما إن تقع عينك عليهما ، حتى يصبح كل ما تريد فعله هو قرصهما أو التهامهما.

لكن كان هناك شيء غريب في ابنتي ,فهي  لم تنظر إلي عندما وضعتها الممرضة في حضني لأول مرة ولم تنظر إلى بعد ذلك أبدا، لم تنظر إلي عندما كنت احتضنها ، لم تنظر إلي عندما كنت أحممها، لم تنظر إلي عندما أقمت حفلة عيد ميلادها الأولى ، وألبستها فستان فيرساشي الذي يتماشى مع فستاني. ليس هذا فقط، لم تحرمني ابنتي من نظرتها فقط بل ومن سماع صوتها كذلك،حتى بعد بلوغها سن الثانية لم تنطق حرفا واحدا، جل ما كنت أسمعه منها صوت أشبه بسجع الحمام لكنه أكثر حدة، صوت يصبح أكثر إزعاجا كل يوم.  كان يخيل لي أنه ليس صوت صغيرتي بل هي شظايا رصاص تنخل لحمي، وكانت حركاتها الغريبة توترني، كانت تتأرجح إلى الأمام والخلف كأنها بندول ساعة كلاسيكية.

لم يمر وقت طويل حتى تم تشخيص ساره بالتوحد. كم كنت محبطة ومحطمة ، لم أعد أقوى على الخروج من الفراش، أهملت نفسي حتى أصبحت كومة حطام، أما زوجي فقد كان أفضل حالا مني، فقد إختار التجنب كوسيلة للتعامل مع الوضع. كان يغيب كثيرا على المنزل ثم يعود مصحوب بخليط من روائح العطور النسائية الرخيصة ورائحة السجائر الكوبية. مرت ثلاث سنوات ومع كل سنة كانت حالة ساره تسوء وكذلك حالي.

عصر يوم كئيب كنت ممددة على الفراش ، كنت مرهقة بعد سماع 20 دقيقة من الصراخ المتواصل، ها قد هدأت الآن أخيرا. رحت  أراقبها بعيوني المتعبة ذات الهالات السوداء، استحوذت علي أفكار سوداوية قهرية لم استطع التخلص منها. كنت أفكر ماذا لو أخذتها إلى مكان بعيد ثم تركتها هناك، سأبدأ حينها حياتي من جديد.

 

قاطعني حينئذ صوت رقيق :

– ماما ، لم تريدين التخلص مني؟ الست جميلة بما فيه الكفاية؟

– …ك كيف…؟

اقترب مني كيانها المخيف

– انظري إلي ماما هذه أنا ابنتك الجميلة، لقد حرصت على مظهري الخارجي حتى نسيت أنني إنسان مستقل عن غرورك، لم تحاولي يوما التواصل معي، لم تردينني حقا بل أردت نسخة مصغرة عنك، انظري كيف  أوصلتنا نرجسيتك الحمقاء إلى هذا الحال. انظري إلي، دمية خاوية بلا روح تماما مثل دماك.

انفجرت بالبكاء فقد كان كلامها يثير في نفسي ضجيجا صاخبا، مزيجا من الإحساس بالذنب والكره لذاتي.

–  حبيبتي أنا لم أقصد هذا..كل ما أردته هو..هو

– كل ما أردته هو كائن مصغر ومحسن عنك يضمن إستمراريتك ويضخم حبك لذاتك السطحية ..كنت لك ،كما كان إنعكاس نرسيس لنفسه مجرد صورة.

زمجرت فجأة بينما بدأ وجهها الملائكي يأخذ شكلا مخيفا  و أصبحت عينها أكثر حدة، أردت الهروب لكن لم استطع الحركة ، أشعر كأني مقيدة

– ألا تعرفين ماما كيف كان مصير نرسيس المغرور؟

– ماذا تريدين مني؟

قالت بإبتسامة شيطانية:

– أريد روحا …أريد روحك.

أحسست بشيء في يدي، نظرت للأسفل فوجدت علبة  مضاد الإكتئاب خاوية، اعتراني حينها إحساس شديد بالخوف ثم النعاس.

Pin It on Pinterest

Share This