شهريار… العاشق

بقلم: نجوى ملوحي

عندما قالت له:” حبك سيدي منحني أجنحة أحلّق بها عاليا وأضم كل هذا الكون إلى قلبي… ”  لم يفهم …قال أنه يكره الفلسفة ويكره الغموض…

لم يكن يعلم أن الحب يمكن أن يرفعه إلى مصاف الملائكة…

الطريق أمامه يمتد مستقيما إلى ما لا نهاية… وهو لا يبصر منه شيئا… يقود سيارته بحركة آلية تعوّدها..

لم يكن يعلم أن الحب يستطيع أن يقلب كيانه رأسا على عقب…لم يكن يعلم أنه يستطيع أن يحب بهذه الطريقة المختلفة … هذه الطريقة غير المتوقعة…

ضرب مقود السيارة براحة يده…

كم حاول أن يتخلّص من هذا الإحساس الذي يملك عليه كل ذرة من كيانه… دون جدوى… اليوم هو يعترف أنه يحب دون أمل ويعشق دون حد ولكنه سعيد … سعيد بهذا الحب المجنون الذي أعاد إليه  ” إنسانيته” وأعاد إليه قلبا شابا متيّما…

الكلمات تخونه ولا يستطيع التعبير… من بلور السيارة يرى الأشجار تمضي سريعة وأمامه السماء زرقاء زرقة عيني حبيبته… ابتسم… لقد أصبح يراها في كلّ ما حوله… لم تكن عيناها زرقاوين ولكن هكذا يراها هو …أجمل النساء وأرق النساء وآخر النساء في هذا الكون…

شهريار …هكذا دعته… وشهريار كان… هو يعترف بذلك…عندما عرفها لم تكن نواياه بريئة… جاء إليها يسعى وفي عقله صور لمغامرة حسية لن تكلفه شيئا. مغامرة عابرة يكسر بها روتين حياته اليومية ويغيّر بها مذاق أيامه العادية… لكنه صدم ببراءتها وتلقائيتها… تمنّى في لقاءهما الأول لو ضمّها إلى صدره وقبّلها قبلة عنيفة ينفث فيها سمّ رغباته الدفينة… ولم يحصل ذلك… كان لقاء غير عادي بين رجل وامرأة… أحسّ بعده بأنه لم يعد ذاك الرجل الذي كان…

وانتفضت رجولته وتمردت… أنه يريدها صاحبة وخليلة… يريدها ملكا له يطفئ معها نار رغباته… نار خيالاته المحمومة…

أوقف السيارة وترجّل منها…أخذ نفسا عميقا…

خيالاته المحمومة… ورغباته الدفينة…لم تعد زوجته بعد أكثر من عشرين سنة من الحياة العائلية تثير فيه أي رغبة ففتّش عن البديل…لم يتعرّفها مباشرة ولكنها استطاعت أن تستفزّ كل حواسه.. وصل معها قمّة النشوة… أيقظت كل غرائزه بكلماتها فكيف الحال إذا التقاها؟…يعترف اليوم بأنه ظنها صيدا سهلا..ولكن ها أنه هو الذي يقع في شراكها…

لماذا تغيّر ؟…يكفي أن يسمع صوتها ليتغير كل شئء…تختفي عصبيته… ينسى عناده…حتى صوته يتغير… قلبه يخفق.. يحس بالدماء دافئة تتدفّق إلى كل شرايينه…يعود طفلا متلهفا ينتظر همسة حب ولمسة حنان منها… لماذا وكيف غيّرته؟..

بحبها أحب كل الناس …استعاد حبه لزوجته ولأولاده …أصبح أكثر رقة وعطفا.. حتى زوجته لاحظت هذا التغيير وباركته…

عاد إلى سيارته… لا يزال الطريق أمامه طويلا ولكنه لا يحس بأي تعب …تفكيره فيها يستنفر كل حواسه ويعطيه أجنحة…ليطير بكل مشاعره إليها..

لماذا تغيّر وكيف تغيّر؟

صوتها استثار كل غرائزه …منى النفس بلقاء حميمي ينصهر فيه معها ليبلغا سابع السموات ويذوب معها وفيها…تخيله لقاء محموما يبلغان فيه أقصى درجات التيه والاستمتاع…

تأنق وتعطر وذهب إليها مثل الذئب يسعى إلى فريسته…عندما رآها أحس بشيء مختلف لم يفسره حينها… وانهارت كل خططه وكل ما رسم…الإحساس الذي ملك عليه قلبه هو أن يضمها إلى صدره وأن يحميها من كل شيء، من نفسه ومن الآخرين…

انهزم شهريار واستكان ولم يبق إلا حضن المحب العاشق يهبها إياه…

يتذكر عطرها …ما زالت رائحته تزكم  أنفه ورئتيه إلى اليوم…

تكلمت كثيرا يومها وعرف أن عليه أن يغيّر إستراتجيته وإنها ليست امرأة ككل النساء…أنام الذئب داخله على أمل…وشاركها آراءها وكل ما قالته أو هكذا حاول أن يظهر لها…

قالت له كلاما كثيرا…لم يفهم جلّه بل لم يسمع أكثره ولكن ذاك لم يكن مهمّا  فقد كان يفكر ويفكر بسرعة كيف يمكن له أن يسقط  كل دفاعاتها ؟ كيف له أن يصل إلى مبتغاه…؟

اليوم يعترف أنها غلبته في لعبته هو وعوض أن يصطادها اصطادته هي…

لا يزال الطريق أمامه طويلا… غادر منذ الصباح دون وجهة محددة… غادر باحثا عن نفسه وعنها وعن معنى جديد للحب… كلماتها لا تزال تقرع أذنيه… ونظرتها لا يزال يذكرها.. نظرة حزينة يائسة…

لماذا لم يفهمها.. كل عقله كان متجها إلى حسّه، إلى غرائزه، ولم يشعر أنها تبتعد تهرب من بين يديه كما يفر الماء من بين الأصابع…. لم يفهم إلاّ بعد فوات الأوان… ترى هل فات الأوان حقّا؟…

فتح الراديو فوصله صوت عبد الوهاب ينشد :” ده عشق الروح مالوش آخر أما عشق الجسد فاني….” لم يفهم هذه الحقيقة…هو يحبها، يحب كل ما فيها… جسمها وشعرها، كلامها، طريقتها في المشي، في الكلام… إنه يحبها، يحبها بجنون…

عندما نظرت إليه أحس بكل شيء يتوقف من حولهما …اختفى الجميع ولم يبق سواهما… أحس بها حواء في لقائها الأول بآدم… نظرة عشق وهيام… ونظرة حزن ويأس …

جلست بجانبه… حمرة الخجل تعلو وجنتيها… حركة يديها سريعة… عصبية …أمسك بيدها فأحسّ بتيار كهربائي عنيف يهزّه… يصعقه… ابتسم… إنها تتفاعل معه رغم تظاهرها باللامبالاة… أتراها تحبّه؟ يجب أن يعرف… يكفيه اليوم أن تحبه… إنه لا يسألها الكثير، فقط أن تحبّه…

نظرت إليه طويلا فأحسّ أنه يمتلكها ولو لبضع لحظات، ثم تكلّمت… كلامها هذه المرّة حفظه عن ظهر قلب..

” الحب يا صديقي شيء رائع.. روعة هذه الحياة… حبك أعاد إليّ الحياة …أعاد إلي الأمل.. أعاد إليّ الثقة في المستقبل.. حبك منحني أجنحة أحلق بها عاليا و أضم بقلبي كل العالم.. حبك مجنون وحبي عاقل… حبك أناني وحبي لا ينتظر أن يأخذ بل يعطي دون حد… أنا أحبك… أحب فيك كل ما أفتقده من حنان وعطف… أحببتك بعقلي قبل أن أحبك بقلبي ولذا تمنيتك صديقا وأليفا… تمنيتك أنا الأخرى، أنا التي أخفيها على  الجميع… تمنيت أن تكون مرآتي التي أرى فيها رجع آمالي وأحلامي؛ صدى شجوني وأحزاني… تمنيتك مرفئي وملاذي أرتاح في حضنه وأنسى همومي.. هل تستطيع أن تمشي العمر إلى جانبي دون أن تسألني أين نقصد؟…”

كلماتها الحزينة لا تزال تقرع أذنيه… ولكن كان في  عينيها بريق حيرة وأمل.. أراد أن يتكلم.. أن يقول لها أنه تغير.. مدرستها علّمته… اكتوى بنار حبها فتطهّرت روحه… مستعد هو اليوم أن يمشي معها العمر كله أين ما أرادت …مستعد أن يشاركها أحلامها وآمالها…يعترف أنها ملكته برصانة العقل وخفة الروح … إنّه يعشقها ، يعشق كلّ ما فيها…

بحركة آلية استدار عائدا… يرى الطريق ولا يراه… يريد أن يصل.. أن يعود إليها.. إنه لا يستطيع إن ينتظر… أوقف السيارة… أخذ ورقة وقلما وكتب ….

 

Pin It on Pinterest

Share This