رقصة الأوركيد

بقلم: عفراء معيزة

أنغام موسيقى هادئة تملأ قاعة الاحتفال. تدخل بأناقتها المتميزة. تتطلع بثقة في الحضور باحثة عن طاولتها المنشودة بين مرافقيها. جلبت انتباهه ابتسامتها الساكنة ووقار مشيتها متجهة إلى مكانها في غير تكبر ولا تماو.

لم يمر وقت طويل على جلوسها حينما فاجأها بحضوره الفاتن مادا يده إليها :

-هل تسمحين لي بهذه الرقصة سيدتي؟

تنظر إليه مبتسمة وبعفوية تقول : “لا أعرف الرقص.”

يتقدم نحوها خطوتين: ” إذن اسمحي لي أن أعلمك بعض الخطوات وما عليك إلا أن تتركي العنان لجسدك فيتبع وقع الموسيقى”.

برقت ابتسامتها في عينيها ودون تفكير مدت يدها إليه واقفة من على كرسيها قائلة: “عرض مغر لا يقبل الرفض”.

وبخطى متبخترة تبعته إلى حلبة الرقص. جعلها تضع الأطراف الأمامية من حذائها الأنيق على أطراف حذائه الجلدي اللامع ليحركها معه بحركاته ثم جعلها تضع يدا على كتفه بينما أمسك بيدها الأخرى وقربها إلي صدره حينما استقرت يده الثانية على خصرها اللطيف المرسوم بجمال ناعم.

تنظر إليه في إعجاب واضح ومشاعر من الخوف والرهبة تخالجها… كل شيء مثالي مثل الحلم.

ينظر مباشرة إلى عينيها الحور الواسعة التي زادها قلم التجميل الأسود جمالا قائلا: “سبحان الذي خلقك”. تطرق في خجل..  يرفع لها رأسها ماسكا بأسفل ذقنها في حنو مردفا: “كم زادك الخجل جمالا!”

تبتسم هذه المرة وتتأمل تفاصيل وجهه بنظرة فاحصة وفي نفسها كلام يأبى الخروج…

يرقصان في انسجام مغر وتناسق فاتن. لم يظهر عليها أنها لا تعرف الرقص فقد كانت ترقص في خطوات منتظمة ومتناغمة كمعزوفة تتراقص أنغامها على إحدى الآلات الموسيقية الوترية. كان منبهرا بها وكانت مفتونة به.

يقترب من أذنها ويقول موشوشا: “ما رأيك لو نخرج قليلا للحديقة وننسحب من هاته الأجواء الرسمية فهي تخنقني؟”

-وماذا عن مرافقينا؟ هل نتركهم؟ أجابته بكل عفوية

– ليست الحياة وصفة جاهزة علينا أن نتتبع مقاديرها بالحذافير

– أتعني أنه علينا تركهم لوصفتهم ونتبع وصفتنا الخاصة الآن؟

–  بالضبط ! كما أن رفقتهم ليست ممتعة –يقول مازحا- وانظري لقد وجدوا وصفتهم.

تنظر خلفها لترى أن الكل منشغل ومستمتع بشيء ما… تعيد النظر إلى مرافقها الجديد، تهز رأسها إيجابا على مقترحه في تمرد مرح ليمسك هو بكف يدها ويجذبها خلفه مسرعا في جنون متألق.

يجريان في الطريق الخالية وأصوات ضحكاتهم تملأ الأجواء وتكسر صمت الليل الساكن.

يمران بمطعم للأكلة السريعة، يشتريان “سندويتشين” ويأكلاهما وقوفا. يوقفان سيارة تاكسي ليأخذهما إلى مدينة الملاهي. كانا كطفلين في عالم مخملي مزدان بقلوب كالدّرر وأرواح مليئة بالعنفوان تتجدد فيها براءتهما التي تشع من عيونهم الجميلة.

لم تكن تعلم أن مثل هذه البساطة ستحملها إلى سابع سماء وهي المرأة المتحفظة المتزنة التي تحسب ألف حساب لكل خطوة قبل أن تخطوها، هاهي الآن تطير مع هذا الغريب الفاتن دون حسابات. ماذا تراه فعل ليطلق الطفلة التي بداخلها؟

يخطو نحوها وهي تأكل غزل البنات ويفك في جرأة تسريحتها الأنيقة فيرتخي شعرها الداكن الناعم على كتفيها وقبل أن تنطق بكلمة يهمس لها في لطف: “صاف كلون الليل”

سحرها هذا الرجل بكلماته وتصرفاته. تضحك في براءة هازة برأسها فاردة شعرها ناثرة إياه على كامل ظهرها. أمضيا وقتا ممتعا معا غير آبهين بالوقت الذي مر سريعا حتى أنها لم تأبه للاتصالات التي وردتها من مرافقيها بالحفل وأغلقت هاتفها كي لا يعكر مزاجها شيء خارج نطاق سهرتها المنفردة وحتى لا تفوت عليها متعة هذه التجربة الجديدة التي اعتبرتها من أجمل التجارب التي عاشتها بكل إحساسها وعفويتها. خاصة وأنه سيسافر صباح الغد كما أخبرها.

بدأت خيوط النور الأولى بالظهور معلنة قدوم فجر يوم جديد. وصلا أمام الفندق الذي يقيم فيه.

ينظر إليها بكل إعجاب ماسكا يديها. تبتسم وبكل لطف تقول:

– أمضيت ليلة رائعة

– وأنا أيضا

– هل أتوقع عودتك قريبا؟

– يصعب القول… لا أدري متى تنتهي مهمتي. ولكن إن كنت قريبا من هنا سأمر لأراك دون شك.

وبعيون تمتلئ عاطفة وشيئا من الحزن ترد :

-هو الوداع إذن ؟

يقترب منها أكثر ويبعد خصلة من شعرها سقطت على رمشها :

-يجب أن أعترف لك أنه للمرة الأولى أريد البقاء في الفندق أكثر وقت ممكن… يعدون فطورا من ألذ ما يكون هنا.

تبتسم… وبدهاء أنثى تسأل :

-هل تدعوني ؟

تتفاعل عيناه مع عينيها كتفاعل الاسيد بالماء فينتج كمية من الحرارة تؤثر في قلبه الذي بدأ بالتراقص كتراقص الزئبق في أنبوب اختبار ويجيب :

– أجل. أريد قول الكثير، لكن أعتقد أن فطورا مثل هذا يساوي ألف كلمة.

تكسر جديته قائلة :

– ستفوتك طائرتك

يجيب بسخرية :

-لن تهرب أوروبا إذا تأخرت عليها بعض الوقت…

استولت عليها أفكارها وهامت في ليلتها الخيالية الساحرة مع ذلك الغريب الفاتن الذي لم تعرف حتى كنيته. تمنّت أن تستمر الحكاية لكنه سافر دون أن تعرف أي شي آخر عنه سوى اسمه.

مضى أسبوع منذ رحيله … تقف امام بائع الازهار وتختار نوعا من أجمل الزهور بالمحل… يقدمها لها البائع قائلا : اختيار موفق، فزهور الأوركيد لا تعرف معنى التقليدية وتتمتع بالجمال والغرابة في نفس الوقت، ما يكسبها جاذبيتها الخاصة.

تتسلم زهورها في ابتسامة عذبة وتعود بها ذاكرتها الى ليلتها التي تشبه هاته الزهرة… ربما لن تذهب الحكاية إلى أبعد من ذلك غير أنها ستبقى ذكرى جميلة كجمال الاوركيد بيدها…

Pin It on Pinterest

Share This