“حكايات أمي الصالحة “: ذاكرة المدينة في الحكايا

بقلم: عبد الكريم مبارك

لا أتصوّر أن جهة في تونس يمكن أن تستمتع بقراءة المجموعة القصصية “حكايات أمي الصالحة ” للأديب عمر بن سالم أكثر من “مدينة المطوية”  مسقط رأس الكاتب.
حكايات تعبق بتفاصيل وتاريخ هذه البلدة الحافل بالأحداث والتي أهملها المؤرخون وبقيت ملاحم أبنائها تتناقلها الأجيال مشافهة بفخر واعتزاز وحرص خوفا من أن تندثر أويلفّها النسيان أو التحريف، وعليه فإن “حكايات أمي الصالحة ” هي للقارئ “المطوي” كتاب تاريخ قبل أن تكون جنسا روائيا استنطق فيه عمر بن سالم جدّته وأعاد عبر ليالي السمر معها تصفّح دفاتر أيام القرية عبر شهادات لا تخلو من القيمة التاريخية بداية من أقصوصة ” الماء مايَ ولا حدْ معايَ” (ص 11)  والتي تعرضت لتاريخ “تقسيم البلدة “بلدْ/مايه ” مرورا بدقة تصوير عام الهجرة  إلى ليبيا أو كما سماها في ص17 “الهجرة إلى برّ طرابلس” بُعيد دخول المستعمر الفرنسي لبلادنا فسردت تفاصيل الهجرة بداية من العروش التي اختارت الهجرة والمسلك الذي عبروه وصولا إلى المناطق التي حلّوا بها بشكل مشوّق لا يخلو من الدقة فضلا على استطرادات تعرضت للوضع السياسي في المملكة آنذاك.
أقصوصة “مدفع الخشب ” (ص 25) رسمت بواكير مساهمة “المطاوى ” في مقاومة المستعمر عبر هذه الحكاية المحفورة في الذاكرة الجماعية حيث أخذ الحماس والاندفاع للجهاد عند الأهالي إلى صنع مدفع متوهمين أنه يحاكي مدفع الغزاة فكان أن انفجر وكاد يقضي عليهم .
“خنقة عيشة ” ..”عندي عشه ومعيزات ” .. “ياسيدي عباس حتى الكباو عمل راس”..وغيرها من النصوص التي صورت علاقة المطوية بمحيطها وتفاعلها معه ونوعية تحالفاتها مع العروش والقبائل المحيطة بها حتى تضمن الحماية والأمن وهي الأضعف في الاقليم بأسلوب سلس لم يغب عنه الشعر الشعبي والحكمة والنادرة..
“مطوية تونس/ العاصمة /الحاضرة ” كانت حاضرة في هذا الحكايات بكثافة من خلال “خطرة الزلاج ” (ص 83) والتي تعرضت لاحداث الزلاج 1911 ثم “طرنفاي الروم جانا بالشوم ” (ص 91) حيث تعرضت الجدة بتعجب إلى وصفه المادي ومقارنته “بالمشينة ” ولم تغفل عن التعرض لأحداث الترامواي 1912.
تطرّق عمر بن سالم عبر هذه الحكايات البسيطة الأسلوب والخفيفة الروح بلغة راوحت بين العامية والفصحى المحلية إلى التفاصيل اليومية والشأن البسيط على غرار ” القسم على الله م الكريطه وشقاها عمري ماريته” (ص 73) ..”عصبانة مايو” (ص 117) “قطاطس باردو ثم الجوع والخلاعة ” (ص 103.)
التعلّق بالموطن والحنين لهذه البلدة – المطوية- كان جليّا في أخر صفحة عبر رسالة لا يستطيع فك شفرتها إلاّ ” المطوي ” وهو نشيدنا الرسمي المحلي : أغنية “المطوية بلاد الخير .. فيها القمح والشعير “(ص129-130).
إذا كانت الكتب والدراسات التاريخية الأكاديمية قد أهملت دراسة “المطوية ” فإن أعمالا مثل “رجع الصدى ” لمحمد العروسي المطوي و”حكايات أمي الصالحة ” لعمر بن سالم يسدّان بعضا من الفراغ نرجو أن يلتفت إليه المختصون.

  • حكايات أمي الصالحة : مجموعة قصصية للأديب عمر بن سالم صدرت عن دار سحر للنشر  في أفريل 2011

Pin It on Pinterest

Share This