يوميات عابرة سبيل

[et_pb_section admin_label=”section” fullwidth=”off” specialty=”on”][et_pb_column type=”3_4″ specialty_columns=”3″][et_pb_row_inner admin_label=”row_inner”][et_pb_column_inner type=”4_4″ saved_specialty_column_type=”3_4″][et_pb_text admin_label=”النص”]

بقلم: أحلام صغيرة

اشتاقت إليه كثيرا، تململت في الفراش، تنتظر أن يداعب النوم جفونها دون جدوى تنهض من فراشها تفكر به كثيرا تطرح أسئلة لا تجد جوابا واحدا له. تعود إلى فراشها، تتذكره، تتمتم، تبكي، تقهقه، تعود إلى رشدها، تتساءل: هل يشتاقني؟

هو أحبها ذات يوم بجنون. لم يكن قيسا ولا عنترة، بل أحبها حبا عصريا، يتماشى مع روح عصرنا أحبها مثل أبطال السينما، تعجبه ساعتها، يجد في ضحكتها وهمساتها لذة غريبة، لا يعلم في الحقيقة لماذا أحبها.

يشاهدها كل يوم ترتاد المطعم فتتناول البيتزا ثم تعود مزهوة بنفسها إلى العمل. تبدو كالفراشة التي تتنقل في الحقل من زهرة الى أخرى تملأ الشارع حياة، روحها الطفولية تخترق الوجدان وتغريك بمداعبتها، بالاقتراب منها دون تردد.

قرر أن يقتحم حياتها دون استئذان.

-مرحبا أنا أعمل بهذا الشارع أيضا. أشاهدك منذ فترة ترتادين هذا المطعم.

لم تكترث له أجابت ببرود:

-أنا أعمل هنا.

واصلت خطواتها غير عابئة بوجوده. يحاول شد انتباهها.

-حاولت أن أكون شجاعا لأظفر بتحيتك. فاعذري تطفلي…

-لا داعي للاعتذار.

-أنت جميلة. من المؤكد أنك تعلمين ذلك.

-شكرا.

يواصل سيره حذوها:

-أنا ياسين. أسكن بالقرب من هنا، يسرني لقاءك هل تقطنين بهذا الحي ؟

-قريبا من هنا.

-أين تحديدا؟

-حسنا في الحقيقة لا أود التحدث مع الغرباء عما يخصني وحدي.

حملقت به للمرة الأولى وكأنها تتساءل: هل أخبره؟

قاطع حيرتها :

-قد نصبح أصدقاء. أشاهدك يوميا. يبدو أنك لم تلاحظي ذلك.

أجابت بحذر:

-ام…  حسنا…  أنا أعمل تحديدا هنا، هذا مكان عملي.

-متى تنهين العمل هل أراك لاحقا؟

-…

انهمكت في العمل ونسيت أمره. كانت متفانية تجد سعادة في القيام بواجباتها، تبذل ما في وسعها. كانت مديرتها تثني عليها كثيرا مما يثير أحيانا حنق زميلاتها.

أثناء العودة الى المنزل، استحضرت ذلك الوجه المتطفل يذكرها بوجه التصقت به ذكرى مؤلمة. حاولت أن لا تنساق وراء الذكريات، أن لا تتوه في الدهاليز المهجورة التي سكنتها الخفافيش فسرعان ما عادت للتفكير فيما ينتظرها بالمنزل، هل تحاملت والدتها المريضة على نفسها لإعداد العشاء؟  فهي قلما تعده في الآونة الأخيرة؟ هل ستجد شجارا بين والديها لسبب لا يذكر؟

لم تكن ترغب في الخوض في مسائل معقدة تتعلق بأفراد العائلة فخيرت الاستسلام للنوم مبكرا لعلها تؤجل حوارا ساخنا مع عائلتها إلى الغد.

هكذا كانت أيامها تمضي متشابهة بين العمل والمنزل. قلما تقبل دعوات زميلاتها لتناول فنجان قهوة بأحد المقاهي الفخمة التي تحيط مكان العمل، فراتبها بالكاد يكفي حاجياتها الضرورية وتأمين مبلغ متواضع بالبنك قد تحتاجه في ظرف طارئ.

قلما كانت فاطمة تغير عادتها فهي تتشبث كثيرا بقناعتها وأفكارها وفية للحظات التي عاشتها سواء منها السعيدة أو المريرة لا تمل الأماكن التي ترتادها ولا الوجوه التي تعرفها كانت شديدة التعلق.

ذلك المطعم العصري ذو الواجهة البلورية الضيقة يستهويها، لعل اختيار الديكور كان موفقا بالنسبة إليها فاللون الاحمر، لونها المفضل، يطغى على اللون الأسود واللمسات العصرية التي ميزت لوحاته تتلاءم مع ذوقها الباريسي.

كانت ترتاده أيام العمل دون غيرها. كعادتها تقدمت من النادلة والبسمة تعلو محياها:

– ماذا سنتناول اليوم؟

ما كادت تنهي سؤالها حتى لمحت ذلك الشاب الوسيم متوسط الطول يراقبها حاولت تجاهله فلم تستطع اقتربت من طاولته وألقت التحية فتهللت أساريره مرحبا بها.

انتابها شعور غريب، أخذتها الحيرة هنيهة أهذه خفقات قلبي المتسارعة؟

لماذا ارتبكت حالما رأيته ؟ لماذا عيناه تلتهمانني بهذه الوقاحة ؟

تمالكت نفسها قليلا مقاطعة عبارات الإطراء التي أمطرها إياها:

-معذرة إني في عجلة من أمري صديقاتي ينتظرنني خارجا.

فاجأها برقم هاتفه : اتصلي بي أرجوك متى شئت، يجب أن نتغدى معا في المرات القادمة.

هي ودون تردد: حسنا. إلى اللقاء.

هو مضيفا: ستجدين أيضا كل المعطيات المتعلقة بموقع التواصل الاجتماعي المتعلق بي، إلى اللقاء.

في الحقيقة لم تكن صديقاتها في انتظارها ولم تعرف لماذا اختلقت هذه الكذبة…  لماذا ارتبكت من نظراته وفرت منها وكأنها جحيم؟

بعد يومها الطويل المضني عادت الى المنزل أسرعت الى غرفتها فتحت الحاسوب بحثت عن حسابه على الشبكات الاجتماعية، وجدت صورته حدقت بها لا تخشى شيئا ثم تمتمت: لا شيء مثير بهذا الشاب. لما تصرفت اليوم بحمق وغباء أمامه؟

أضافته الى قائمة الأصدقاء. لم تكن تعلم أنها ستهتم لأمره وتظل تنتظر تواصله معها. طال انتظارها شعرت أول الأمر بالضجر حاولت أن تنسى اللأمر إلا أنه بين الفينة والاخرى يتبادر الى ذهنها. بدأت تشعر أن خوفها من الاقتراب منه في محله.

أخذت تطمئن نفسها، لن تكون قصتي معه شبيهة بسابقتها لقد نضجت بما فيه الكفاية حتى لا أقع مرة أخرى في نفس الهوة. أنا بالكاد لاحظت وجوده مرة أو مرتين. لا أدري لماذا يلح على الولوج الى حياتي…

تسرع الى حاسوبها وكأنها ستجد به الجواب الشافي تفتح حسابها الافتراضي. لم يرسل رسالة واحدة يبدو أنه مشغول.

أخيرا لقد أرسل تحية” فايسبوكية” مختصرة.

تسارعت نبضات قلبها ردت بلهفة : أهلا.

كان يجيب بصفة متأخرة ومختصرة، كان الحوار باردا لا يتعدى الأربع عبارات في مجمله. استاءت قليلا ألقت اللوم على نفسها مثل كل مرة وقررت أن تمحوه من واقعها وخيالها.

بعد أيام قليلة اتصل بها رقم مجهول. كانت في عجلة من أمرها. لم تخمن من صاحب الاتصال. سوف تعرف حالما تجيب، وإن كان أغلب الظن أحد أفراد عائلتها يحتاجها في أمر ما.

-ألو أهلا بك..

-ألو من المتصل؟

– ألم تسجلي رقم هاتفي؟ أنا ياسين يبدو أنك كثيرة السهو بالكاد تذكرينني،  لقد مررت أمامي منذ بضع دقائق  ألم تنتبهي لوجودي…

-كلا كنت على عجلة.

-لا بأس، إطلالتك كانت مثيرة هذا اليوم، وجهك مشرق يضاهي فستانك الوردي إشراقا،  عيناك الجميلتان تشعان أملا.

-هذا من لطفك.

-مازلت تدينين لي بغداء لم أنس بعد.

-كذلك أنا لم أنس.

-يبدو أنك مستعجلة. نلتقي قريبا. حسنا؟

-حسنا…

يبدو أن فطنتها هذه المرة لم تنفعها في تكهن الأحداث. لم تتوقع أن يتصل بها مجددا يبدو أنه يفضل الأحاديث المباشرة على العالم الافتراضي. هذا أفضل.

بقيت تنتظر مكالمته اللاحقة التي ستعلن موعد اللقاء مرت الأيام والأسابيع والأشهر ولم تتلقى رسالة واحدة.

ألم تقرر أن تمحوه من عالمها يبدو أني كاللعبة في يده يوجهها حيث يشاء. أيحتل شخص عابر كل تفكيري؟  يبدو أني لست على ما يرام.  لن يباغتني هذا الغريب مرة أخرى ولن أجامله.

أقنعت نفسها أنه عابر سبيل لا تجمعها به إلا الصدفة. عزمت أن لا تلتقيه مرة اخرى ولو من باب الصدفة. قررت تغيير المطعم الذي ترتاده لن تمر أمام مكان عمله حاولت أن تبتعد عن طريقه قدر المستطاع. تناسته وعادت الى ذكريات بائسة مرت عنها سنوات. فالخيبات توقظ الحنين وتقلب صفحات الماضي وإن لم تكن لائقة.

مرت سنة كاملة ولم تره ولم تذكره ولم تسمع عنه.

ممن ستسمع عنه ؟ هي لا تخبر أحدا عمّا يخالجها أو يدور برأسها لم يعرف أحد إن أحبت يوما ما، هادئة كتومة، أسرارها بمنأى عن البشر، كالبحر لا يعلم أحد قراره.

ذات يوم، في طريقها للمنزل انتبهت على صوت أحدهم ينادي :

-لقد سقطت منك ساعتك.

توقفت. إنه ذلك الشاب الوسيم المتطفل الغائب. تناولت ساعتها. اغتنم الفرصة:

– هلا ساعدتك؟

نظرت إليه ببرود دون أن يجف ريقها دون أن تتلعثم، مدت يداها ليساعدها دون أن تنبس بكلمة واحدة لم تشكره حتى.

حاول تدارك الموقف:

-لقد ناديتك أكثر من مرة ولم تردي. ألم أحذرك من كثرة السهو… ؟

-لم أسمع نداءك. ربما شيء من الإرهاق أصابني، نحن في نهاية الاسبوع.

لا حظ أنها ليست كالعادة فتدارك :

-هل هذا رقم هاتفك؟

-نعم.

-هل لديك رقم هاتفي؟

-كلا.

– هل محوته ؟

– نعم…  بل لا..

-سأغضب منك هذه المرة إن لم تتصلي بي لتناول قهوة معا.

-لا وقت لدي أضيعه، لقد تأخر الوقت الى اللقاء.

كان جسدها منهكا استلقت على فراشها تتأمل خيط العنكبوت المتدلي فتبادرت كلمات ياسين إلى مخيلتها استعادت ذلك الشوق الذي بدا في عينيه وهو يساعدها على ارتداء ساعتها الفضية. استعادت أيضا صدى كلماته الأخيرة  -سأغضب منك هذه المرة ان لم تتصلي بي… –

تمتمت بحنق: يا لغرورك، لم عليّ أن أتصل بك؟  فلتغضب ولست آسفة…

اتصل بها صباحا :

-مرحبا إنه يوم الأربعاء. أنت لا تعملين بعد الزوال أليس كذلك؟

-نعم

-سنلتقي هناك كالعادة، لا تعتذري…

-حسنا.

تساءلت ماذا يريد مني، لماذا يصر على الاقتراب مني، عادت الى حيرتها لماذا وافقت على دعوته ؟

لم تبحث عن الإجابة كثيرا هي تعلم أنها تسعد بلقائه. تستهويها عباراته طريقته في وصف الأشياء        ونطقها…  تعلم أنها لا تستطيع الرفض.

حان الموعد ولم يتصل بعد. شعرت ببعض الضيق فاتصلت لتستفسر عن سبب تأخره.

أجاب بطريقة جافة:

-لقد اتصل بي صديقي إني في انتظاره ليأتي معنا.

استاءت من قلة ذوقه. لم يخبرها أنه سيتأخر، لكنها حاولت مجاملته.

لا بأس كم من الوقت عليّ أن أنتظر؟

-حوالي عشر دقائق.

-عشر دقائق؟؟  حسنا.

مرت الدقائق كئيبة ثقيلة زادتها الغيوم الرمادية ثقلا لتصبح سنين.

نزل من السيارة صافحها ثم قدم صديقه لها. تبسمت قليلا ثم اعتذرت عن مرافقتهما لضيق الوقت.

أدركت لحظتها أنها اللحظة الحاسمة، فإما أن ترفض أو تستسلم للأبد.

ليست في حاجة إلى موعد يتيم يتحول إلى حنين وذكريات بالية. باتت أكثر حذرا وأكثر خبرة من أن تقع في شباك العنكبوت الواهية، لم تعد تلك الفتاة التي تأسرها الكلمات والأشعار لم تعد فاطمة التي تضحي بما تملك من أجل السراب، لم يحالفها الحظ يوما فكانت كل تجربة أقسى من سابقتها. الهزائم المتكررة جعلت المراهقة الطائشة فتاة  ناضجة  قادرة على الرفض يمكنها قول ” لا”.

لقد اكتفت من الغائبين الذين يأتوا ليرحلوا ويتركوا غصة دفينة في القلب تستيقظ مع كل خيبة. رغبت عن  لحظات السعادة الزائفة التي تمنحها إياها أعواد الكبريت ثم سرعان ما تنطفئ لينطفئ معها كل شيء فتستيقظ من الوهم على واقع مرير أمر من ذي قبل.

وضعت فاطمة نهاية للبداية. عادت الى عالمها تسلك نفس الطريق، تتناول غداءها بشراهة بذلك المطعم دون غيره، تشاهد ياسين، يشاهدها…  لا تعبأ به، لا يعبأ بها، عادت الأمور إلى نصابها أو هكذا ظنت.

فقط ظل ياسين يتساءل عن هذا الوجه الجديد الذي لم يراها به من قبل حين كان يشاهدها عن بعد قبل أن يقتحم عالمها، هذا الوجه البريء يخفي الكثير… ظلت العينان الواسعتان الخضراوان تثيران فضوله لكنه بات يخشى مواجهتهما.

[/et_pb_text][/et_pb_column_inner][/et_pb_row_inner][/et_pb_column][et_pb_column type=”1_4″][et_pb_sidebar admin_label=”Sidebar” orientation=”right” background_layout=”light” area=”sidebar-1″ remove_border=”off”] [/et_pb_sidebar][/et_pb_column][/et_pb_section]

Please follow and like us:
One Comment
  1. Avatar

اترك رد