الكترا الجديدة

[et_pb_section admin_label=”section” fullwidth=”off” specialty=”on”][et_pb_column type=”3_4″ specialty_columns=”3″][et_pb_row_inner admin_label=”row_inner”][et_pb_column_inner type=”4_4″ saved_specialty_column_type=”3_4″][et_pb_text admin_label=”النص”]

بقلم: سعاد الفقي بوصرصار

زوّجوها صغيرة اتقاء الفتنة. كانت جميلة جدّا.

قبلت الزواج هروبا من مدرسة لم تذقها طعم حلاوة النجاح، ومن أب قاس بخيل عاطفيا وماديّا…لا يرى في ابنته فلذة كبده غير قنبلة موقوتة تنذر بالانفجار في كلّ حين…

لم يسعدها الزوج…ومات بسرعة مخلّفا لها  ثروة وابنا.

نذرت نفسها لابنها وكبرا معا…أفرطت في حبّه وتدليله وتنفيذ طلباته.

ترك مقاعد الدراسة باكرا وجلس الى الحاسوب المربوط الى الشبكة العنكبوتيّة.

ساعات طويلة كان يقضيها في غرفته مبحرا في عوالم لا تعرفها ولا تدركها.

كانت تتعهّده بالطعام والشراب وتترجّاه أن يترك هذا الجهاز الذي سرقه منها وتركها للوحدة…

دعاها الى مشاركته. وعلّمها قواعد الاستعمال .

سجّلت حضورها في أشهر المواقع الاجتماعيّة باسم مستعار وأصبح لها أصدقاء افتراضيون…

أوصاها ابنها بعدم نشر صورتها اتّقاء للشبهات .

لما مهرت في الابحار والبحث وربط العلاقات’ اقتنت لنفسها حاسوبا خاصّا بها . استهوتها الحياة الجديدة. ووجدت فيها تعويضا عن الوحدة والقسوة والحرمان.

واستردّ الابن الشابّ حرّيته…وسكن كلّ منهما الى جهازه.وانغلق في غرفته راضيا…

على النات تعرّفت عليه.

شابّ من أسرة عريقة ميسور الحال. يقدّس الحياة الزوجيّة.ويبحث عن فتاة تبادله الحبّ ولا يتجاوز عمرها الأربعين ولا يهمّ إن كانت أرملة أو مطلّقة.

“هو ضالّتها”.

كتبت إليه تقول:

ـــ أرملة شابّة من عائلة محافظة. جميلة تجيد الطبخ. تريد التّعرّف على رجل حسن السيرة والاخلاق يقوم بواجباته الدينيّة ولا يشرب الخمرة تعده بكثير من السعادة.

“هذه فريسته”.

مرّت أيّام سعيدة. أصبحت الأرملة الشابّة كثيرة المرح.

وأصبح الشابّ كثير الانشراح والانبساط.

يغادران مواقعهما في نفس الوقت تقريبا.

تعتني هي بشؤون البيت.تنظّف وترتّب وتعدّ أكلات خفيفة…تطمئن الى أنّ كلّ شيء على ما يرام وتعود الى حاسوبها هاشّة باشة لتسعد بالدردشة مع صديقها…

أما هو فيغادر المنزل لقضاء بعض الشؤون كخلاص فاتورة الهاتف أو اقتناء بعض لوازم البيت ثمّ يعود بسرعة كلّه رغبة في الاختلاء بحاسوبه والاندماج في عالمه…

وسرعان ما تشتغل الحواسيب وتضغط الأزرار ويكون التواصل…

حوار مكتوب بلغة عربية بحروف فرنسية…

حدّثته عن وضعها العائلي…عن ابنها المدلل الرافض للعمل والمسؤولية…

وحدّثها عن أمّه المستبدّة بحبّه …

وجد لديها راحة وأنسا…وشعر بمأساتها وتفاعل معها…وبدأت الرغبة في التسلية تتحوّل الى ميل وعطف ومودّة…

وجدت فيه الحبيب الذي لم يصادفها في مراهقتها. وشعرت بنفسها معه تعيش تجربة عاطفيّةّ عميقة قلبت كيانها وذكرتها بأنوثتها بل بإنسانيتها… كلامه الرقيق دغدغ وجدانها وحرك أوتار قلبها…

كانا يقضيان ساعات طويلة يدردشان ويتحدّثان عبر الشات ولا يشعران بمرور الزمن…

وتتفطّن في بعض الاحيان إلى مضيّ الوقت فتستأذن منه ساعة لتتفقّد أحوال ابنها…

تفاجأ عند مغادرتها غرفتها بابنها يغادر هو الآخر غرفته وحاسوبه ويتمطّى ليصلب عوده الذي تخشّب من فرط الجلوس…

تدعوه في لطف إلى تناول الطعام فيحضر مسرعا ويجلس معها الى المائدة ولا يأخذ طبقه الى غرفته ويأكل أمام الحاسوب كعادته… تسرّ بهذا التغيّر في حياته وهذه الرقّة في التعامل معها…

ولا يضيّعان كثيرا من الوقت ويعودان الى مكانيهما… كلّ في غرفته أمام حاسوبه وقد أحكم غلق بابه عليه…

وما هي إلاّ ثوان حتى يكون الربط من جديد ويتواصل الحوار في   شوق متجدّد…

ويطلب منها أن تظهر صورتها فترفض وتستميت في الرفض والحقيقة أنّ رفضها في البداية كان بسبب جهلها كيفية استعمال الحاسوب فمعلوماتها محدودة جدّا وما علّمها ابنها يكفي للتواصل مع الآخرين بالكتابة لا غير.

ويصعب عليها الآن أن تسأله عن كيفية نشر صورتها خاصة وقد أوصاها بعدم فعل ذلك وخوّفها من امكانية استعمالها من طرف القراصنة استعمالا فظيعا…

مضى شهر وهما على هذه الوتيرة يقضيان الوقت في مطارحة الغرام والبوح بما في النفس من هيام وشوق وتعبير عن العواطف الجياشة التي يشعر بها كل واحد تجاه الآخر ويجدان في ذلك لذّة ومتعة وتسليّة…

قال لها إنّها تشبه أمّه في رقّتها…

وقالت له إنّه أزاح ابنها وتربّع على عرش قلبها وهي تخشى عاقبة هذا الحبّ الجارف الذي لوّن حياتها وأسعدها…

طمأنها ووعدها بالوفاء وعدم الاستغناء عنها مهما كانت الظروف…

الى أن دعاها ذات يوم للقاء…

ـــ يجب أن أراك… لم أعد احتمل…

ـــ هي أيضا رغبتي

ـــ لنلتق

حدّدا موعدا…

اشترت ثوبا جديدا… غيرت تسريحة شعرها…

لم يعلّق ابنها ولم يلمح هذا التغيير في أمّه. كان منشغلا بنفسه…

وقف أمام المرآة يتجمّل ويتعطّر.

سألته:

ـــ الى أين؟ هل هو موعد غرامي؟

غضّ بصره واحمرّ وجهه وتمتم:

ـــ نعم…ادعي لي يا ماما…

غادر المنزل مبكرا …

تجمّلت وتعطّرت وركبت سيارتها واتجهت نحو المكان الذي اتفقت عليه مع فتاها.

توقّف أمام المقهى… رفع ياقة قميصه الأبيض مثلما اتفق معها لتعرفه وبقي ينتظر…

بعد حين وصلت الى نفس المقهى

اتعرفت على سيارة ابنها في الموقف… خفق قلبها …واصلت طريقها وغير بعيد ركنت سيّارتها وأخذت تستوعب  …

أمام المقهى كان ابنها يمشي ويجيء وينظر الى ساعته…

“ياللصدف هو أيضا يلبس سروال دجين أزرق وقميص أبيض وسترة سوداء  مثل الاتفاق؟؟؟”

ارتفعت دقات قلبها وشعرت بالرغبة في الجلوس لأنّ رجليها لم تعد قادرة على حملها وتساءلت في ذعر:

ـــ” أيكون ابنها هو فتاها؟”

بقيت تراقبه وقد أصبح مشيه قلقا متوتّرا…

أخذت تراجع كلام صاحبها وسلوكه …

وعادت الى البيت مسرعة تداري خزيا لفّها…

اغتسلت وآوت الى فراشها نادمة على خفّتها محاولة إخماد نار تلهب جوارحها…

واختلطت مشاعرها بين النقمة والرأفة والخيبة والغيظ والخزي…

وبعد ساعة عاد الابن الى البيت مهموما…

تظاهرت بالنوم والتعب ولم تغادر فراشها…

أسرع الى الحاسوب يطلبها ولكن لا مجيب .

لقد اختفت الحبيبة الى الأبد.

كان يطلبها في كل وقت دون جدوى…

وعادت أمّه تدعوه الى ترك هذا الجهاز اللعين وإلى التفكير في حياته وتحمّل المسؤولية والبحث عن عمل وتشغيل مال أبيه حتى لا تضيع ثروته…

[/et_pb_text][/et_pb_column_inner][/et_pb_row_inner][/et_pb_column][et_pb_column type=”1_4″][et_pb_sidebar admin_label=”Sidebar” orientation=”right” background_layout=”light” area=”sidebar-1″ remove_border=”off”] [/et_pb_sidebar][/et_pb_column][/et_pb_section]

Please follow and like us:

اترك رد

Verified by MonsterInsights