هذيان ليلي

بقلم: رميساء المرسني

 فاز هذا النص بالجائزة الأولى في ملتقى تونس الفتاة للأديبات الناشئات “يراع” المقام في دورته الثانية بالنادي الثقافي الطاهر الحدّاد يوم 9 أفريل 2016

 

lonightأشرب حبّة الأسبرين الرابعة … وأمسك رأسي جيّدا حتّى أطبع الحكايا والشخصيات الكثيرة والأحداث المتسارعة …وحتى لا أنساك مرّة أخرى …

أنا أريد حزنا أكبر من هذا … أريد وحدة أقسى من جلوسي في غرفة الحمام القذرة، أستمع إلى وقع قطرات الماء الهاربة من الحنفية الصدئة… صوت رتيب وموحش كغيابك الدائم… أنظر إلى قميصك الأزرق المشنوق وراء الباب بعينين زائغتين وأحاول أن أتذكر كل شيء… كل شيء…

نبرة صوتك في الصباح … طريقة إمساكك للجريدة … همهمتك وأنت تقرأ الأخبار … غليونك الخشبي القديم … تنقل أصابعك ببطء يستفزّني… تفرك عينيك… تداعب لحيتك المهملة… تمسك فنجان القهوة طويلا … تديره من كل جوانبه … تراقصه بيدك … ثم ترشفه مغمض العينين وتقول ساخرا ”أن أناديك حلوتي ليس سببا لتحضير قهوة مرة كل صباح …” تشير إلى رأسك وتضيف “هذا المخ بحاجة إلى السكر والكافيين … عليّ أن أحافظ على نسبة السكر والكافيين … ” … تعيد نفس الجملة عشرات المرات … ثم تضيف ” وأنت …”

رحيلك المفاجئ والفاجع لا يكفيني … أريد حزنا أكبر من هذا …

أدخّن سجائر رخيصة على معدة خاوية… وأرتمي في برود فراشي … وأهمس ” عليّ أن أتذكر كل شيء …”

وقوفك الطويل أمام الثلاجة … تغلقها بعنف وتعود فاضي اليدين … استلقاؤك أمام التلفاز لساعات تشاهد نفس الفلم من دون صوت … أنت تعرف الفلم … وتحفظ الأحداث جيدا … وتقرأ تحركات الشفاه … شاهدته أكثر من مرة … وتسأل نفسك في كل مرة ” ماذا أفعل؟ ما الذي اشاهده؟ ” …

أدخّن بمعدّل عشرين سيجارة في الساعة وأسعل أسعل إلى أن أختنق … أتنفس بصعوبة … تقلّ أنفاسي … أستكين … ثم أصرخ باسمك … وأبكي … وأخجل مني … أعاتبني … أضربني … ثم أبكي بلا سبب … كرحيلك بلا سبب …

ويخيل إلي أنك وهم … وحبك وهم …

وأنني اخترعتك لأشفى من وحدتي … واخترعت قميصك الأزرق … وعطرك الفرنسي الباهظ… ذو الرائحة الغامضة والخفيفة … اخترعت يديك من أجل شاماتي الأربعين … واخترعت هذا البيانو من أجل يديك …

البيانو …

أنيسي هذه الليلة … أنا لا أجيد العزف … أضغط بسبابتي على مفتاح أسود … وأعيد نفس الحركة مرارا وتكرارا وبانتظام … إلى أن ينسجم الصوت مع وقع قطرات الحنفية … ونبض قلبي الصدئ …

 

لم أنم ليومين … أطرافي باردة وأنا أهذي …

أحتاج كوبا من الحساء الساخن … رائحة الحساء … ضحكات وقهقهات في المطبخ … صوت السكاكين … وعزف البيانو … أنا أهذي … أمسك رأسي … أتذكّر أكثر …

أقف أمام المرآة … أنا أرى قلبي … جسدي شفاف جدا … وقلبي قذر ومهترئ … كمنفضة سجائر … كخرقة تنظيف المداخن … كجورب متسوّل ملّته الثنايا … مليئ بالتقيحات والدماميل الكبيرة … ولكنه ينبض … ببطء ولكن ينبض …

أدير وجهي وتأتيني رغبة جامحة في أن أتقيّء … وأن أبصقك على الجدران وأهرب …

أدخل الحمام … أرضية قذرة … صوت الحنفية في ارتفاع … أرتدي قميصك الأزرق … أغلق أزراره واحدة تلو أخرى … رائحة عطرك الفرنسي الباهظ… ذو الرائحة الغامضة … والخفيفة … أنا قريبة منك … أحس أنفاسك على وجهي … تنفّس … تنفّس … عليّ أن أتذكّر أكثر … فرحيلك لا يكفيني … أريد حزنا أكبر … يليق بأديبة ناشئة مثلي … رحيلك لا يكفيني … أريد حزنا أكبر لأكتب …

أريد…

أريد أن أكتب أي شيء…

عن نكدي أيام الآحاد وأواخر العطل …

عن سروالي الجينز المفضل الذي لا أستطيع ارتداءه بسبب وزني الزائد …

عن علبة الكبريت التي لاتزال تخيفني…

عن خوفي من كل هذه السرعة الهاربة بنا إلى المجهول…

عن أرضية الحمام المتسخة وصوت الحنفية المقلق وصياح الجارة كل صباح …

عن مرضي القوي وجسدي الضعيف المناضل رغم كل شيء…

عن “الياسمينة” التي لم تزهر منذ غرستها أمام شرفتي …

عن سكوتي الطويل وهدوئي الخانق وضجيج صدري المليء بالأسرار والحكايا …

عن مكتبي الفوضوي ولوحاتي الكئيبة الخالية من الحياة …

عن شاماتي الأربعين … وتلك المفضلة لديك على عنقي…

عن المقاهي المزدحمة وثرثرة الجالسين وغوغائهم المثيرة للصداع…

وعن هذا الكم الهائل من المهمومين الوحيدين في الأعياد والمناسبات …

عن سيجارتي التي لا تنطفئ قبل أن تشعل أخرى في محاولة يائسة لتجسيد انتقال الدفء العائلي …

عن هذه “الحبة” التي لا تظهر إلا في الأيام المهمة …

وعن هذياني كل ليلة ونومي المتقطع وحبات الدواء الملونة والكثيرة .. دون جدوى…

عن تدخيني على معدة خاوية كل صباح وعن قهوتي الخالية من السكر …

عن هوسي بالأشياء القديمة وحنيني لرائحة المنازل والحارات العتيقة …

عن حبي لأفلام “شارلي شابلن” الصامتة. ..

وعن استماعي للموسيقى التصويرية الحزينة والمخيفة كلما أردت الكتابة …

عن حلمي بنشر السلام في العالم …

وعن فتوحاتي وحروبي الوهمية والغاز المسيل للدموع السائلة مسبقا…

عن قصيدتي التي لا تكتمل إلا بك …

وعن غيابك الذي يبعثرني وتعبي من الجلوس في قاعات الانتظار كل مساء …

وعن اشتياقي لعناق طويل منك يلم شتاتي …

أريد أن أكتب أي شيء …

أريد أن أكتب عنك …

وأريد أن ألقي بنفسي من أعلى حلمي …

لأختبر صلابة جسدي، وليونة الأرض …

و لكني أخاف السقوط في البحر، وأنا المخلصة للظمأ..

جسدي الجاف يعلقني على جدار من الجليد الساخن، ويعلق الساهرون أحلامهم على كتفي … ويدق القدر مساميره … وينصهر المسمار بالسكين والجرح …

وأنا … يتيمة الحب والأشعار والفرح …

أنادي في المدن أمسي، وبالسيف المنزوع من ظهري، والدم المنسكب من جرحي …

أكتب اسمك على الكنائس والمساجد … وأتساءل كيف أبدو في الصورة الموضوعة على رف المدفأة…

وهل كنت تتدفأ بالنار أم بالوهج الساطع من خدّي …

وبقي حلمي صغيرا لا يكبر … وبقي قلبي كحبة سكر …

وبقيت أنت … كسهم حي في عنقي … ينبض ألما، بألم قلبي يعصف أكثر …

….

صوتك يصهل في رأسي كل ليلة، وشفاهي تهذي شعرا غير موزون…

والوحدة تتكور وتتكوم برداء أسود، وتجلس كل مساء تراقبني … ألاقيها في كل أركان بيتي…

كلما زاد حنيني إليك … اقتربت أكثر لتنال مني …

أسهر محاولة نزع الشظايا من كلوم الذاكرة…

أحترق وجعا، ودمي جامد لا ينسكب …

لو أنني أسقط من أعلى حلمي …

لو أنني ازرع فيك كياسمينة … ألفّ قلبك الوحيد بأغصاني … وأخيط جلدي لأدثرك

….

ليست لدي رغبة في الذهاب إلى الكلية هذا اليوم، ومصادفة كل أولئك الناس الغاضبين من كل شيء ..

كل صباح…

في كل “الميتروات” التي تجوب العاصمة …

تلك الرغبة، التي تأتيكم جميعا، البقاء في الفراش لبرهة بعد الاستيقاظ مباشرة، تأتيني لساعات طوال …

ساعات من التحديق في السقف…

ساعات من اللاشيء…

في غرفة مليئة بالأحذية والقمصان الملقاة على الأرض…

و خزانة فارغة، تملأها العتمة…

الساعة تشير إلى الثانية بعد الزوال، أشرب قهوة سادة في كوب كتب عليه “Good morning beautifaul” يخيل إلي أنها اشارة لرفع معنوياتي وإيهام نفسي بأنني شخص عادي، له من المسؤوليات الكافية ما يخوله القيام صباحا..

لكنه في الحقيقة الكوب النظيف الوحيد …

لا أحب جلي الأواني، أفضل الأواني البلاستيكية، فهي تساعدني للحفاظ على رائحتك على جلدي لأكثر وقت ممكن…

أمرر أصابعي على جدول أوقاتي الملصق على باب الثلاجة، أتفقد الحصص، عدد الساعات، وحتى أسماء الأساتذة… عليّ أن أواكب كل شيء، فأنا أريد أن أبدو شخصا عاديا …

أشاهد فلما قديما لـTom Hanks لا أعرف اسمه …

تلفازي يفتح ويغلق على نفس القناة منذ أسابيع، لقد أضعت الـ”télé-commande” تحت كوم من بقايا البيتزا والسجائر الجزائرية الرخيصة …

أشاهد فلما صامتا وأكتفي برصد تحركات الوجوه والملامح…

أريد أن أخترع شخصا يشاهد معي التلفاز … يجلس بقربي على الكنبة، أقرأ له بعض الصفحات من رواية الحب والحرب لليو تولستوي، نرقص على معزوفة تشايكوفسكي ” بحيرة البجع ” أو رائعة موسيقية من روائع باخ …

و نشرب نخب كل المتروكين، والمنازل الصامتة وكل الأشياء الهامة التي لن تحدث … ثم أقلب الكنبة بكل قوتي وأقتل طيفك المختبئ في الركن وأصرخ ” أنا الحقيقية هنا ! كلكم خيال ! ” …

….

أنا شخص ضعيف جدا، لا أستطيع استيعاب كل هذه الوحدة دفعة واحدة…

و لا أريد استقلال الميترو الخفيف في حين أن صدري مثقل بكل هذا الروتين …

أريد استيعاب هذا العالم على أقساط لو أمكن …

فكل شيء يرهقني … حتى الشعرة البيضاء الوحيدة المكنونة في رأسي…

 

***************************

 

ويحدث أن ينام النوم ونسهر …

ونحاول جاهدين إمساك طرف الحلم فلا نقدر …

يهرب ويتفتت كقطرة زئبق …

ويخبو رويدا كنور بعيد …

أنا أعاني إسهالا لغويا حادّا …

وأكتب أي شيء يخطر ببالي…

لكنني لم ألتجئ للطبيب، اكتفيت بصوتك المسجل على هاتفي وصور قديمة لنا في الكلية … بقايا نبضات معلقة …

لم تعد المحاضرات ممتعة وأنا أحضرها وحيدة على المدارج،” أخربش” حرف اسمك الأول كطفلة…

كل شيء تغير .. حتى الهواء، بات باردا موحشا خاليا من أنفاسك …

أنا أبحث عنك، وأتبع خطواتك … في الحانات البعيدة والأزقة المظلمة …

ويحدث أن أرى لمعان عينيك في رغوة كأسي … فأضحك حد الثمالة…

ويحدث أن أسمع بحة صوتك الصباحية في دندنات قيثارتي الصامتة من بعدك.. فأبكي حد الشتات…

وكلما ذبلت وردة على منضدتي … أفتقدك أكثر …

وأكتب على ورقة معلقة على ثلاجة مطبخي … “هناك أمل في أنني سأجدك اليوم …”

وأمضي يومي هائمة في العاصمة، علني أراك بين الزحام والضجيج …

وأبحث بعينين زائغتين في وجوه المارة …

وأعود ممزقة، بعضي نار وبعضي رماد …

وأشد على خصري لينحصر الألم هناك فقط … وأحمي أطرافي بقميصك المشنوق على باب الحمام …

وأدخن…

على معدة خاوية وقلب يغمره الصدى … أدخن…

ويكاد الدخان يمحو وجهي فلا أراني …

أنظر إلى “portrait” درويش على خزانتي، وأردد بيته ” يا ليتني حجر ” …

لغيابك طعم غريب، مالح جدا حد المرارة …

اعتدته جدا حتى نسيت طعم الكرز …

الكرز الشهي، ذلك الذي كنت ألتهمه على ذقنك وبين شفتيك، أقضمه ببطء وأعصره بتأنّ حتى يسيل على عنقي … وتبتل شامتي السوداء … لتكبر حدقتك البنية…وتزداد شهوة ورجولة …

سر فوق رمشي ودس على فؤادي للوصول إن كنت ضائعا…

و لكن عد !

فقد تعبت من السفر، ومللت من طعم غيابك المالح وأعياني ألم خصري المشتاق لرقص أصابعك…

عد سريعا ولا تتركني أتدلّى من نافذة الإله، بين عجزي وقلة صبري …

كنت أظن …

كنت أظن أنني شفيت …

لكنك من أعاد إليّ البكاء …

و كل هذا … كل هذا …

يصيبني بإسهال لغوي حاد …

و يجعلني أكتب أي شيء …

عد سريعا من أجل القصيدة …

أقوم بكسل من فراشي، وأهمهم في أذن الجدار ” هذه الروح لا تستيقظ إلا بعد الساعة صفر” …

أقصد المطبخ لتحضير فنجان قهوة …

ماكينة القهوة معطلة، وكل الأواني متسخة وليست لي رغبة في الجلي …

لا أريد أن ألامس الماء…أريد أن أبقي رائحتك على جلدي لأكثر وقت ممكن…

تعتريني رغبة مشتعلة في الكتابة… ولكني أحتاج كوبا ساخنا من القهوة لأحافظ على نسبة الكافيين في الدم ونسبة المرارة في حلقي ورائحة القهوة في غرفتي المشتاقة إلى عطرك … لتطغى على رائحة غيابك المفاجئ…

أفتح الراديو، وأجلس قبالة النافذة، أرى نفسي صدفة على انعكاس البلور … لم أرني منذ عشرة أيام تقريبا …

أقترب وأهمس ” على الأقل نحفت قليلا”… أضحك بهستيريا وأرقص كالأطفال على موسيقى الجاز واهتز وارتعش وألتف على جرحي حتى أصاب بالدوار وأسقط…

وأغنّي دون أن أسمع صوتي … كلمات مقطعة لجاك برال أو لشارل ازنافور لا أعلم …

تختلط عليّ كل الأشياء في هذا العالم المزدحم وأدخل في دوامة من الأصوات والمشاهد…

صوت زخات المطر … عيناك… هفيف الأوراق … النشيد الوطني… شفتك السفلى … زغاريد أمي … ابتسامتك وأنت تعدّ شاماتي الأربعين… بكاء طفل… ضحكات في المطبخ… صوت الراديو… عضلات بطنك… غنائك في الحمام … خرير المياه … صياح الجارة… عيناك مرة أخرى …

ثم أغفو …

على مكتبي، المثقل بكتب الشعر، أوراق كثيرة … بقايا هذياني الليلي وبدايات نعاس يزورني بإلحاح من حبات الدواء…

أجلس إلى مكتبي بصعوبة، أحمل ورقة عذراء لم تلطخها أناملي الدامية بعد وأحاول البحث عن أفضل وضعية للكتابة … أتمدد على فراشي، أجلس على الكرسي الهزاز، أتكأ على ظهر الكنبة … ولا كلمة …

غيابك يقيّد كل القوافي…

أريد أن أكتب أي شيء… أي شيء…

و لكني أحتاج كوبا ساخنا من القهوة …

و ماكينة القهوة معطلة …

و ليست لي رغبة في الجلي …

أريد أن أبقي رائحتك على جلدي … لأكثر وقت ممكن … على الأقل، حتى أنام … وأحلم بعينيك…

…آه من عينيك …

 

 

 

****************************

أجلس بالمقهى …

أضمّد كفي بكوب من القهوة الساخنة …

أبعد الكرسي من أمامي كي لا يظنني الناس وحيدة تنتظر من لن يأتي …

أتفادى النظر إلى ساعتي اليدوية …

و أكتفي بتأمل العالم …

أنادي النادل.. ولا أطلب شيئا …

أكتفي بشرب قهوتي دون سكر …

عليّ أن أحافظ على معدل المرارة في حلقي …

عليّ أن أستشعر الألم أكثر …

لأستطيع الكتابة …

معي ما يكفي من البؤس لأكمل قصيدتي …

لكن ينقصني الإلهام …

أحتاج وميضا ساطعا ينير ذاكرتي للحظات فقط …

لأكتب …

أحتاج أي شيء يذكرني بك …

كحبة كرز مغرية … أو هفيف نسيم برائحة عطرك الخفيف والغامض …

عطرك الفرنسي الباهظ …

أريد أن أكتب أي شيء …

عن الألم الحلو الذي يصيب معدتي كلما رأيتك صدفة …

عن لائحة العادات السيئة التي عليّ أن أغيرها قبل حلول العام الجديد …

كأكلي للشكلاطة السمراء كل ليلة، وأنا المتابعة لبرنامج وثائقي عن معاناة أطفال البرازيل في جمع حبات الكاكاو …

كسهري الليلي أشاهد أفلاما صامتة وأخترع أحاديث الشخصيات وأصواتهم في رأسي … حتى أخالهم حقيقة …

كقراءتي لشاعر واحد وإيماني بإبداع البقية …

أريد أن أكتب أي شيء …

عن سقوطي من سلم الحالمين دون أن أحدث جلبة …

وعن مضغي للألوان الطازجة عوض الدواء وابتلاعها في محاولة لتلوين روحي …

عن تلك الحشرة الصغيرة المقلوبة على ظهرها في مكان ما من هذا العالم الواسع والشاسع، تحرك أرجلها في الهواء دون جدوى…

وعن حنفية الحمام الصدئة ومسمار الجدار الذي سقط في غفلة مني … وصورتنا ضاحكين في الإطار الخشبي …

وعن جلوسي الطويل على ناصية هذا الكون، أعد النجوم كطفلة وأنتظرك بفارغ القلب…

 

لقد كنت هناك …

أشتري تذكرة للمجهول بثمن باهظ يسوى عمري المنقضي وأحلامي الوردية الساذجة، في عالم القطارات السريعة والأيادي الباردة التي تصافحني كل صباح، تلامس جسدي البالي وتهمل روحي الجائعة وترحل بعيدا بعيدا …

لقد كنت هناك أيضا، أبتسم للغرباء وأرسم قلوبا في الهواء لينقشع الضباب من أمامي ويصل وهج قلبي البسيط إليهم، علّهم يفهمون ..

كنت هناك، أقف وحيدة وسط الزحام والضجيج أصلّي … والناس ماضون إلى الدنيا حاملين كل أمتعتهم وبيوتهم وأموالهم واختلافاتهم … وأنا أحمل قلبي … وأبتسم لينقشع الضباب …

لم أكن أصلي لنجاتهم، كنت أصلي لأصمد أكثر …

ويأتي القطار ويتجاوزني المارّة وتتجاوزني المدن الصاخبة والطرقات والأزمنة …

و أهتف لتنكسر المرايا من أمام الأنبياء والملوك والأمراء .. وأخيط جراحاتهم وحدي وأخلط دمائهم وأنثرها على الدروب الممتدة من قلبي وأغنّي ” كسّروا كل المرايا … انزعوا كل الشظايا.. .وازرعوها في جنبي… وادفنوني في الثنايا… إني حيّ بقلبي … ” …

لقد كنت هناك أمزّق خرائط البلدان وأنفخها لتهبط على قلوب المذنبين أمثالي بردا وسلاما … وتحررهم من الأحلام … كنت هناك أخيط المسافات الوهمية وأسهر على راحة المسافرين الجدد وأربت على أكتافهم بيدي المثقلة بالدموع…

كنت هناك أوظب الحقائب وأملأها بالذكريات المخبئة في جوفي … وأسلمها للريح والمراكب والكواكب …

ولك أن ترى ضوء أحلامي، يعبرني ويرحل حيث الحدود المشعة ويخبو رويدا رويدا …

ولك أن تسمع الصدى والفراغ والغياب يشق المدى… وهفيف السنابل المشتاقة لأيادي الفقراء المجعدة والجافة …

ولك أن تحس الله يجول في المكان حزينا لكلوم الأرض المتقرحة …

كنت هناك أودع نفسي وأستقبل النهايات اللاهثة خلف دخان القطار …

أجلس في قاعة الانتظار، أراقب الراحلين من وراء الوراء … ألتصق بالزجاج في حالة يائسة للانتماء إلى أي أحد … وأبكي أبكي … وأهرب أجري فوق دمي المنسكب … وأرمي فتات أحلامي على رصيف المحطة وأمسح السكك وألمعها بحروف الأبجدية الحادة وأهجأ الرحيل بصوت الصمت…

لقد كنت هناك أغرق في وحدتي ولا أحد يلاحظني… أمسك قلبي بين يدي … وأبتسم لينقشع الضباب…

أتسول الحب في زمن السرعة… ومعجزة في زمن الأساطير… وإنسانية في زمن الحرب …

كنت هناك ألوح للمارة وأرقص على دوي القطار وخطوات الهاربين مني ومن قلبي الحيّ بين يديّ … ولا أعلم من يرحل عن الآخر، يرحلون عني برحيلهم أو أرحل عنهم ببقائي..

لقد كنت هناك… أرسم قلوبا في الهواء… وأبتسم لينقشع الضباب …

 

***************************

 

أنا وحبة الأسبيرين نتبادل الحديث …

في غرفة مليئة بتفاصيلك الدقيقة… وأحلام تحتضر على الأرضية المتسخة وأخرى مشنوقة على الجدار…

ماذا عساي أفعل بكل هذا الفراغ؟ وكل المساءات القادمة من دونك؟

أنا مريضة جدا …

أشعر بأنني أغرق في فراشي، أنا أسقط في هاوية سحيقة سوداء … وأرى السماء تبتعد أكثر …

ومثل وميض في العتمة … تأتيني رغبة غريبة في رسمك الآن … في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل…

أريد أن أعيد صقل وجهك كما أشاء …

وأن أمحو كل شاماتك التي تغريني وأغني …

أغني بصوت عال … بصوت يطغى على دقات قلبك النابضة على ورقي …

أغني وأمسك قلم الرصاص وأتجاهل يدي المرتعشة من عظمة جمالك …

وأمحو تفاصيلك كلها …

ليس عليّ أن أبحث عمّا يلهمني بعد الآن لأكتب …

يكفي أن أغمض عيني وأتذكر رائحتك الغامضة…

يكفي أن أعضّ شفتي السفلى وأعجن خصلات شعري بهدوء…

بهدوء…

لقد هيأت نفسي جيدا لكل هذه الوحدة …

الكثير من كتب الشعر النيئة … الكثير من الموسيقى الصاخبة والحزينة، الشكلاطة السمراء، السجائر الرخيصة … وقارورة عطرك الفرنسي …

وحبات دواء ملونة تساعدني على تذكر صوتك المتهكم والساخر من كل شيء…

أريد أن أتناول نفسي على العشاء هذه الليلة، أن أمضغ أصابعي النحيلة التي لطالما أحببتها…

أريد أن أنبت في دمك كسرطان وأدور في أركان جسدك راقصة بقميصي الشفاف…

أريد أن أنزلق بهدوء من هذا العالم وأسقط في الفضاء دون أن أحدث جلبة …

أريد أن أنحني فوق جرحي… وأتقيأ قبلاتك المسروقة من عمري ..

أريد …

أريد أن أنام بسكينة هذه الليلة … دون أن أفكر فيك … ودون أن أذكر نفسي بأن الموت ليس أكثر ما يوجع في هذا العالم …

الوجع أن نموت من الحب ونصمت فجأة عن كل التساؤلات … ونكتفي بالغرق وحيدين …

أحيانا الغرق هو نجاتنا الوحيدة والأخيرة …

لكنني لن أنجو… فكل شيء يذكرني بك …

رائحة الفانيليا المتغلغلة بخصلات شعري الغجري بعد الحمام…

فراشي الدافئ ووسادتي القطنية…

أغاني شارل ازنافور وموسيقى بيتهوفن في المساءات الحزينة الممطرة …

الفراولة الطازجة، فنجاني المفضل وبخار قهوتي الصباحية …

ياسمينتي التي لم تكبر وزهرة القرنفل الموضوعة على منضدتي منذ عامين …

جدارية درويش التي أهديتني إياها في عيد ميلادي العشرين …

أبيات الشعر وموسيقى الأفلام التصويرية الهادئة…

رائحة التراب المبلل وبتلات الورود الندية…

تفاصيل وجهي المتعب وعيناي المشتاقتان …

أحمر الشفاه ومرآتي وأساوري …

أنا أراك في كل شيء …

أنت هنا … وأنا أشعر بأنفاسك الحارة خلفي تحرك خصلات شعري وتثير رائحة الفانيليا في الهواء …

وكصغير خائف من إبر الدواء … أنا أتحمل ألمي ولا أريد أن أشفى منك …

أريد قلبا جديدا فقط …

أريد قلبا نيئا …

فهذا القلب قد نضج منذ سنين ومضغته الدنيا وبصقته على جدران غريبة …فبات غريبا …

أريد لكل هذا الخيال الصارخ في رأسي أن يولد عاريا من كل المخاوف ويكبر أكثر …

كأن أرى الناس يموتون من الحب أو من فرط السعادة …

كأن تسقط علينا الغيوم بدل القنابل …

كأن ندفن في الهواء ونتحول إلى يرقات تلون هذا العالم وتطير هنا وهناك …

كأن يكبر هذا العالم بنا وبآلامنا حتى ينفقع كبثرة ونتحرر في الفضاء الخارجي…

كأن أتناول حلمي البسيط كحبة دواء وأنام غير عابئة بكوابيسي المدلاة على مكتبي …

أريد …

أريد أن أضع رأسي المليئة بالدوافع والرغبات على صدرك وأبكي … بلا سبب …

و أريدك أن تعجن خصلات شعري بين كفيك … حتى تتغلغل رائحة الفانيليا في الهواء …

أريدك أن تستنشقها …

أن تملأ بها صدرك … أكثر أكثر …

ثم أخنقك وأنام …

لكنني لا أستطيع…

فالدّنيا… كل الدّنيا … شامة سوداء على عنقك …

 

**********************************

 

الساعة الثانية بعد منتصف الليل

حبة الأسبيرين الثانية

أغنية Conquistador

و طيف درويش يجوب الغرفة …

_______

صوت الموسيقى يزداد أكثر فأكثر … كندبة ناتئة تنتفخ في الهواء…

وكراديو قديم جدا… ألتقط صوتك متقطعا مشوشا … وأحاول الكتابة …

أنت رجل مصنوع من عصارات الكرز المغري والشعر الذي نقرأه متسائلين “كيف يعلم الشاعر كل ذلك عني؟”

وأنا امرأة عادية … أدعي بأنني شاعرة هذا العصر … وأنا لا أفقه من الشعر شيئا سوى أنني أستطيع كتابة ديوان شعري كامل عن بحة صوتك في الصباح …

أنا لا أستطيع التخلص منك رغم هذا العار الذي يشقني ويشنقني …

أنا أرعاك كعامل وفي ليده المبتورة …

أريد أن أنحني فوق المرحاض وأبصق هذه ” الغصة ” لأتمكن من البوح بكل أسراري لإله الشعر هذه الليلة …

لقد أزهرت شجرة اللوز، وكبرت صفصافة دارنا … والنبتة المشنوقة على جدار بيتنا القديم مازالت تتوجع طيبا …

والنحل يجول في رأسي، وشفاهي لم تعد معسولة …

أناشيدك تتردد في الساحات والمدن، وأشعاري صامتة لا تتنفس …

وهذا الليل يغريني… وغيابك يقيد القوافي على مكتبي …

لم أكتب شيئا يا حبيبي … لكني أبيت حالمة بانتهاء القصيدة …

كبرت جدا … وبت أجول شوارع العاصمة وحدي ومن شدة حنيني إليك، أفتش جيوبي باحثة عن لمساتك الدافئة …

أمسك بيدي جيدا، سأعبر جسر الثلاثين بكعبي العالي … لا أريد أن أغرق مرة أخرى ويمتص الماء أحلامي وتصير البحار وردية ويلومني البحارة ..

أمسك بيدي جيدا وأخبرني، هل شممت أحلامي الوردية؟ لها رائحة عطرك الفرنسي الباهظ…

عطرك الخفيف والغامض …

غامض كأنفاسك التي تكسر بلور الأمان وتدمر حواجزي المنتقاة وتحقق فرضية التداعي…

لأهرب منك إلي… وأضم نفسي بين ذراعيّ.. .وأتعرّى من همومي وأنام حالمة بانتهاء القصيدة…

لكن … هنالك أمل في النبتة المشنوقة على جدار بيتنا القديم … وهناك أمل لألحق بذاكرتي، لقد عبأت كل حقائبي بتفاصيلك … وسأسافر الليلة لألحق المشاة … وكل الهاربين من الحنين …

و دع الأبدية تحيك نهاياتنا بنقاء دموعنا العذبة .. ولا تخف … سينتصر الشعر وستذكر الطريق إلى البيت يوما … وسأكمل قصيدتي …

أما الآن فدع الليل يزحف إلى فراشي البارد واسدل ستائر الوفاء كلها واشرب نخب النعاس ونم خفيفا من كل هذه القيود …

 

***********************

 

أنا الآن في الحافلة …

اخترت المقعد الأقرب إلى الباب لأنني أخاف عمق الأشياء والأماكن، خاصة حين أجدني محاطة بأناس لا أعرفهم …

يخنقني الاكتظاظ… وتخيفني عيون الناس المتحركة بسرعة والملتهمة للمشاهد بفضول وتطفل ونظراتهم الفوضوية المشوشة لبصري وبصيرتي ….

السائق يقود بكل أريحية، رغم صعوبة السياقة في العاصمة وزحمة الطرقات …

هو يعرف الطريق جيدا ككف يده، وأنا أرى الدنيا لأول مرة …

على يميني شباك كبير، مرئي لكنه صلب وداكن، أضع رأسي على الزجاج بقوة، في محاولة يائسة للاندماج مع العالم الخارجي… لكن السرعة تمنعني من المرور…

أنا محبوسة في حافلة هي أشبه بخردة متحركة، يسوقها رجل يعرف الطريق الذي أجهله، محاطة بغرباء تلتهمني عيونهم …

أحاول الهرب من الشباك، أحاول الاندماج مع العالم الخارجي…

أنا محاطة بالكثير من الناس الثرثارين …

والكلمات تغتصب الهواء …

كلمات بذيئة مقززة…

ترسم دماميل كبيرة ومقيحة على حلمي البسيط …

و أراك صدفة… وأصرخ في السائق الذي يقود بسرعة ” توقف!” .. لكنني لا أسمع صوتي الضائع في الغوغاء …

ويمضي السائق، وتطول الطريق، وتكبر الدماميل ويصغر حلمي …

ويخيل إليّ أنني اخترعتك لأتنفس …

فهواء الحافلة عفن ومقزز …

ينزل الناس ويصعد الناس وتنتهي المحطات والطرقات … وأبقى أنا …

ويسألني السائق ” إلى أين إذا؟”

فيؤلمني السؤال ويقتلني الجواب ….

وأهمس ” لا أعرف ” …

 

******************************

 

تخيّل …

لو جف دمي العاري صباحا …

وغطّتني السماء بطيور من دخان …

لتستر قلبي المفقوع…

تخيل…

لو غنيت قصيدتي الأولى …

على مهل …

ومسحت دموع عشاق الليل بمنديلي …

وكتبت على جدران الأزقة شعرا…

وطرقت أبواب الوحيدين الصدئة…

ورقصت حافية على الجرح …

تخّيل …

لو أعددت موتي في قدري…

واستطعت لملمة بعضي قبل الرحيل…

واستنشقت الصنوبر برهة …

واستمعت لصوت أمي توقظني…

وقبلت يديها فقط …

وضغطت على وجعي بالسكين والرمح …

وصبرت …

وابتسمت …

أما كان الموت أرحم؟

 

 

“لا شيء يحدث هنا ” …

الأمنيات المسروقة المخبئة في جيبي تضمحل وتصغر، والرغبات تطحن روحي بين روتين النهار وأرق الليل …

” لا شيء يحدث هنا “… يقول صوت في الممر

هذه الحياة يصيبها العطب فجأة … فتتوقف كساعة جدارية معلقة على جدار وهمي وتشنق أشواقي السرية بحبل أزرق باهت …

الغربان تنقر رأسي منذ يومين، وأنا أغذّيها أفكاري بصمت… وتجوع روحي في صمت … ويسخر الشبع منا…

قلبي مهترئ كجورب، تملأه التقيحات والدماميل، ومع ذلك هو يحملني في الثنايا ويسير بي إلى غد غير مؤجل …

عقلي مكسو بالطحالب اللزجة، تسقط عنه الأفكار الجاهزة وتتدحرج، فأدوسها دون قصد … وتدمي قلبي أكثر …

( أصفع نفسي للمرة الثانية )

“لا شيء يحدث هنا ” … يقترب الصوت أكثر ..

علي أن أعبر هذا الممر الطويل، علي أن أتجاهل رائحة عطرك الفرنسي الغامض من ورائي … وصوت الجارة المثير للصداع … وقهقهات زميلاتي، وعلبة الدواء …

أنا أتقدم … علي أن أبلغ الثلاجة، علي أن أحفظ قلبي في مكان بارد وآمن …

ساقي المبتورة تلاحقني، والجدار يتكّئ على ظهري وأنفاسي تهرب مع الريح …

أنفي يصغر فجأة و” الغصة” المغروسة في حلقي تكبر وتتمدد …

“لا شيء يحدث هنا ” …

تتسارع الأقدام وتقترب مني … أنا أختنق …عليّ أن أبلغ الثلاجة …

عليّ أن أحفظ قلبي في مكان بارد وآمن …

قلبي المهترئ كجورب …

الصواعق الكهربائية تلتصق بصدري …

إبر الدواء تسري في دمي الهادئ …

أنا أغفو خفيفة من قيودي …

أنا لا أشعر بشيء …

مريح هو ” اللاشعور” …

لا شيء يحدث هنا …

كل شيء هادئ …

أيادي الأطباء تخبو رويدا …

رائحة الكحول والأدوية تطغى على عطرك …

وأنا أنام لأول مرة وقلبي معي، في مكان بارد وآمن …

لا شيء يحدث هنا …

Coupez !

انتهى المشهد.

 

 

 

تابعونا على تويتر

إعلانات

Pin It on Pinterest

Share This