توازي

بقلم: أميمة بن يونس

فاز هذا النصّ بالجائزة الثالثة في ملتقى تونس الفتاة للأديبات الناشئات “يراع” المنتظم في دورته الثانية يوم 9 أفريل 2016 بالنادي الثقافي الطاهر الحدّاد

railتضيع النجوم في سماء ليل طويل يبدو أنه لن ينتهي، يتلألأ بريقها  في عينه اليمنى  فيلمع بؤبؤها أكثر،  بينما يستلقي هو على سكة القطار ويداه خلف رأسه وظلام دامس يحيط المكان.  بما أنّ أعمدة الضوء العمومي لا تعمل، لم يبق للناس غير النجوم ليهتدوا بها في ظلمة  الليل القاتم .
يحصي النجوم، يتعب فيتأمل النفق المخيف وتنهال عليه أسراب من الذكريات ترغمه على ركوب قطار الماضي السريع الذي أخذه إلى طفولته المعذبة، عاش مضطربا، ممزقا وهائما كورقة يتيمة في مهب ريح صرصر عاتية، انتحر والده وهو  طفل صغير، ألقى  بنفسه أمام قطار مسرع فاندثرت أشلائه بعدما تقطعت أوصاله.
قال البعض أن المسعفين الذين لم يفعلوا سوى محاولة لملمة أشلاء الجثة  ظلوا يقتلعون قطع لحمه العالقة في السكة الحديدية لساعات .
لم يعرف أحد سبب انتحاره  : الله أعلم.هكذا قالوا.
لكن هذا لا يمنع أنهم فتحوا باب التأويل والتهويل على مصرعيه كأي مواطن عربي يمارس هوايته الوطنية المفضلة.
بعضهم قال أنه كان يعاني من اضطرابات نفسية أو بالأحرى مجنون فقد حياته وأهلك آخرته ومات كافرا وهم لا يعلمون أن الله لا يحاسب الإنسان غير العاقل، وآخرون قالوا أنه اكتشف خيانة زوجته فلم يتحمل الصدمة وانتحر فارا إلى ملكوت الله أين ليس للخيانة مكان  وبعضهم  قال أنه معذور فالفقر قاس وهذا البحار المعدم لم يعد قادرا على  إطعام الأفواه الجائعة التي تنتظره في البيت.
قالوا ، قالوا وقالوا… لكن الله وحده يعلم.
ظنوا كثيرا ونسوا أن بعض الظن إثم.
تحدث أهل القرية عن تلك الحادثة لسنوات وسردوها لأطفالهم وحذروهم من القطار السريع الذي قد يتحول في أي لحظة إلى حاصد أرواح، قطار موت مرعب.
أما هو ذلك الطفل اليتيم تلاقفته الأيام الطويلة فكبر دون أن يدري وشاخ حزن قلبه معه.

أحيا مجد القارب الصغير
فقالوا : بحار كوالده.
يصطاد السمك ويبيعه ويجني ما يكفيه من المال عندما يحالفه الحظ وذلك نادر الحدوث.
رمى شبكة الصيد في البحر وتركها لساعات لكن لم تعلق فيها سوى سمكات قليلة  فتأفف كثيرا ولعن  حظه الأسود وسنوات عمره الضائعة   بين أمواج بحر أصابتها لعنة الشح ثم عاد إلى الشاطئ وأخذ يرقع الشبكة.

هبت نسمات باردة فرفع وجهه إلى السماء وأغمض عينيه ثم  استنشق كمية كبيرة من الهواء ملأت رئتيه فأنعشت صدره العليل
وعندما فتحهما  كانت هناك، على بعد أمتار منه واقفة كالسهم بقوام ممشوق،  يقف حد الجمال على خصلات شعرها  التي تترنح كسرب من طيور مهاجرة تسابق الريح، تتأمل البحر بسكينة بذراعين مشبوكتين وفستانها الأحمر يتطاير وقدماها قابعتان في الماء.
قتساءل في نفسه : كيف  يمكن أن يتواجد هذا الكم من الجمال في مكان واحد ؟
نادتها صديقاتها فأخرجت قدميها من الماء وحملت خفيها ثم ركضت نحوهن  وهي تقفز بين الأحجار الصغيرة وأخذت قلب البحار معها.
زينة.قال بصوت خافت.
ابتسم في خجل وأشاح بوجهه نحو البحر.
وقعت في قلبه أو ربما  وقع هو على رأسه لا يعلم شيئا سوى أنه عندما رآها، هلت نسمات دفء وهبت رياح عشق آسرة .
ألا تكفي نظرة واحدة ؟ ألم يقل جبران : أولها نظرة وآخرها اللانهاية.
يكفيه أن يراها كل عشية تتمشى على شاطئ البحر برقة وخصلات شعرها  ترقص  مع نسمات الهواء،  لتدوس على قلبه الزجاجي مع كل خطوة تخطوها فيضع يده على صدره.
و في ليلة باردة، إرتدى قميصا نظيفا على غير عادته ورش عطرا رخيصا كان كافيا لإزالة رائحة السمك العالقة به وتأبط يد والدته العرجاء وطرق الباب طالبا يد  الفتاة التي أشعلت في قلبه نارا حامية.

و طبعا رفض الأب الحريص على مصلحة ابنته البحار المعدم وبكت زينة كثيرا هذا ما أخبرته به أختها الصغرى التي كانت مرسال حبهما.
مرت أيام عديدة بشعة،  توقف عن عدها  لكنه لم ينسى.
كان يهم بالإبحار ويدفع قاربه بقوة نحو البحر  وعندما هم بالصعود  على متنه، رآها متجهة نحوه وهي تهرول، فتسمر في مكانه ممسكا طرف القارب بكلتا يديه وحدق فيها وهي ترتعش كعصفور صغير بلله المطر وقالت وهي تلهث بصوت هامس متهدج : أبي سيزوجني
أفلت القارب من بين يديه ونظر إلى شفتيها،  لم يستوعب ما الذي قالته للتو وشعر أن الرمل يبتلع قدميه وغرق في بحر صمت عميق .
أعادت قولها بصوت أقوى. التهمت عيناها  وجهه، تبحث عن إجابة بين قسماته.
فنطق بصوت مرتعش : مكتوب زينة… ربي يهنيك
انطلقت من فمها ضحكات هستيرية وامتلأت عيناها بدموع حارة عاصية أبت النزول ، لعنته كثيرا ثم التقطت بعض الحجارة ورمته بها و انطلقت هاربة نحو قدر لم تختره.
التفت إلى الوراء  فوجد أن قاربه اختار أن يبحر بعيدا من دونه.
و في ليلة جرباء ، تعالى صوت قرع الطبول فاخترق عنان السماء وأزقة القرية والبيوت وسمعه وكم تمنى أن يصبح أصم.
ألقى بثقله  على فخذي أمه وهي تجلس في صحن الدار، أخذت تولول فوق رأسه محتسبة على زينة ووالدها..
اعتدل في جلسته وتنهد كل مرارة الدنيا واتجه نحو الباب، فضربت على صدرها  وسألته  : إلى أين يا ولدي ؟
فأجابها ببرود مطلق : إلى جهنم يا أمي…
سار بخطوات ثقيلة  وصوت الطبل يقترب أكثر فأكثر ..
الأضواء تزين المكان والساحة تعج بالحضور والسكارى يرقصون حفاة على قرع الطبول المزعج، كأنه يشهد على طقس مجوسي، يرقصون حول حلقة  النار ببربرية، نار تنتظر القربان : عذراء فتية تجلس بدون حيلة. هاهو واقف هناك تفوح منه رائحة السمك .
بينما تفوح منها رائحة المسك، أشعث الشعر بينما تتدلى ضفائرها على صدرها بكل سلاسة وقلائد ذهبية تزين نحرها.
ظن أنها لن تراه ولكنها رأته وكأنها كانت تبحث عن وجهه بين الحضور، تلاقت أعينهما فسال كحلها وتفجر نهر جار من عينه اليمنى.
أخفض رأسه في استسلام وخرجا مسرعا تاركا ثلاثة أرباع قلبه وقطعة من روحه في مكان الجريمة.
مشى من دون وجهة، سابحا في الفراغ، ينزف حبا ووجعه ينخر جسده كالغرغرينا…و وجد نفسه  يمشي  على سكة القطار.
بكى كثيرا وهو يسترجع شريط حياته  وقصة حبه الأفلاطونية التي تحولت إلى مأساة إغريقية نسوا أن يدونوها في تاريخ العشاق.
كم أن رائحة السمك التي تنبثق من جسده بشعة، لم تكن أمه تطيق تلك الرائحة وتأمره بالاستحمام فور دخوله إلى البيت.
أما زينة فكانت تحب تلك الرائحة، كان تقول أنه كمن يحمل البحر بين ثنايا جلده.

و فجأة سمع صافرة القطار فوقف بسرعة مستجمعا ما تبقى من قواه، ململما شتات قلبه وروحه الخاوية.
نظر إلى السماء وطلب منه المغفرة.
و خطى خطواته الأخيرة نحو حتفه.
فتح ذراعيه على وسعيهما ليحتضن قطار الموت المسرع، القطار الذي حذروا أطفال القرية منه.
لم يستطع رؤية شيء بسبب ضوء القطار الباهر.
قالوا أن المسعفين الذي لم يفعلوا سوى محاولة لملمة أشلاء الجثة ظلوا  يقتلعون قطع لحمه العالقة في السكة الحديدية لساعات.
قالوا : انتحر كوالده
تحدث أهل القرية عن تلك الحادثة لسنوات وسردوها لأحفادهم وحذروهم من القطار المسرع الذي قد يتحول في أي لحظة إلى حاصد أرواح.

تابعونا على تويتر

إعلانات

Pin It on Pinterest

Share This