“من أجل ذاكرة ما”- قصّة لفرنسواز جيرو

ترجمة (بتصرّف): رجاء عمّار

تم إجراء العملية يوم الجمعة الموافق لذكرى ميلادي الثلاثين سنة 2235. تردّد الجراح قبل القيام بها، وأنا أيضا توجست فقد كانت فريدة من نوعها ونجاحها غير مؤكد. تم تجربتها للمرة الأولى في الولايات المتحدة وفتنتني الفكرة المتمثلة في استبدال ذاكرتي بأخرى مأخوذة من شخص توفي حديثا.

لا أتذكر شيئا، لكن قبل خضوعي للمشرط، دوّنت بعض الأسطر للإبقاء على الأثر بطريقة ما، وحين قرأت ما كتبته، لم ينتبني أي شعور لأنه يتعلق بإنسانة غيري، لم يعد لي ماض أو بالأحرى غدا لي آخر جديد تماما، توجب ترتيب حياتي على أساسه.

شكّل اختيار ذاكرة تروقني مشكلة. خالفت رأي الطبيب، وخيرت ذاكرة رجل في مثل سني أملا في تغيير ما، فذاكرتي الأصلية ملأى دموعا وتمزقات وخزيا وكروبا- هذا ما تشهد به كلمات النص الذي وثقت فيه بعض حياتي القديمة-.

يستطيع علماء المستقبل -إذا اهتموا بدراسة حالتي- الاطلاع على أني عشت الحرب الخاطفة بين الصين وروسيا وإبادة موسكو وبيكين بصواريخ نووية، وما خلّفته المعارك الذرية من دمار في جميع الأرجاء، كما يمكنهم معرفة أني كنت مهندسة بارعة في اختصاص التقنيات المتقدمة، ووجّهت معهد البحوث للقيام بدراسات مكثفة حول انعكاسات السلاح النووي، كما أني رائدة في هذا المجال، إذ ركبت أول صاروخ وتمثلت المهمة المناطة بعهدتي في حمل الإغاثات إلى المناطق التي تعرضت للتخريب… ومن الملاحظات التي خططتها في هذا الصدد:

إنها تجربة مروعة يستحيل محوها، إنها أسوأ من كل ما يمكن تخيله، أرغب في التخلص من تلك المشاهد المروعة التي عاينتها وحذفها من ذاكرتي باستبدالها.

دوّنت ذكريات أخرى أخف وطأة وأقل هيمنة على الذهن، غير أني أرزح تحت حمل أوجاع كثيرة ارتبطت عامة بوضعي كامرأة، وهو ما دفعني إلى الترجيح أن ذاكرة رجل لن تكون مثقلة، وحتى إن ناءت بما يعتمل داخلها فستسجل ذلك بدرجة أقل.

انطلقت إذن في اكتشاف ذاكرتي الجديدة بفضول لا حد له… من أصبحت؟

الرجل الذي أعارني ذاكرته مات وهو يقود سيارته الـBMW.

لم يشغلني المال كثيرا، فزوجي السابق ترك لي ثروة صغيرة، استثمرتها قبل إجراء العملية مع العلم أني لا أذكر أين أو كيف، فقد اقتصر تدويني على الملاحظات الأساسية. لم يساورني القلق بشأن النقود، ومع ذلك جعلني نوع السيارة الفارهة أشد ثقة لأني لم أختر مشردا.

أورث الحادث الذاكرة التي وهبتها ألما فظيعا يعقب الصدمة وأقض مضجعي طويلا، ووجدتني أتحامل على نفسي للعودة إلى القيادة في فترة لاحقة.

حين استفقت من التخدير، بادرت بالمطالبة بمفكرة المانح. جُلبت إليّ مبقعة بالدم، توترت حين تصفحتها، ورصدت المواعيد المسجلة فيها، ذكرني الطبيب أن مالك جدول الأعمال مات، بالتالي، لست ملزمة بأي موعد.

حين طلبت لقاء أمي بعد ذلك، أكد الجراح:

– “ليست لك أم! فوالدتك وافتها المنية منذ زمن بعيد، وتلك التي تطالب بها ذاكرتك الجديدة، سيتسبب لها لقاؤك في حزن شديد وهي المتخبطة في غمها.. إنها مثيرة للشفقة حقا!”

– “أريد رؤيتها على كل حال، أحبّها، ألا يمكنك التصرف بطريقة لتلبي حاجتي؟”

لفّق حكاية جهلت تفاصيلها، ونجح في إقناع الأم بالقدوم لعيادتي في المصحة، حين رأتني، عبرت عن جزعها متحسرة:

– ” يا طفلتي المسكينة، أنت أيضا تعرضت إلى حادث؟”

أخبرتها أني أعرف ابنها جيدا، ومحيطة بكل شيء يخصه، وعليمة بتفاصيل طفولته واللذة التي يجدها في تناول حبات المشمش، وخوفه ليلا حين يهيمن الظلام وبراعته في التحدث بلغات عديدة (أنا التي لم أستطع تشكيل جملة قصيرة بالإسبانية بشكل صحيح، غدوت الآن أتقنها فضلا عن اليابانية والانقليزية والألمانية).

لم تستطع السيدة تصديق ما سمعته، وتساءلت في حيرة: “كيف عرفت وهو لم يكن يتحدث أبدا عن أي شيء يتعلق به؟”، وانخرطت في البكاء، ففضلت اختصار زيارتها واعدة إياها بالقدوم لزيارتها بمجرد تماثلي للشفاء، لأنه توضح لي مدى محبتي لهذه الأم.

استفهمت الطبيب عن احتمال استمرار بعض بقايا من ذاكرتي القديمة في الاشتغال، غير أنه نفى هذه الفرضية مؤكدا استحالة حدوث ذلك واستفسرني عن سبب السؤال، فأجبت:

– ” يستبد بي شعور متأت من غور بعيد جدا يذكرني بكرهي لأمي الحقيقية!”

– “ليس ذلك إلا خيالا صرفا! لا تعقدي الأمور! وفي جميع الأحوال، حصلت على أم أخرى…عن طريق الاستبدال!”

ما زلت في المصحة، حين فتحت ذات يوم باب الغرفة سيدة هائجة. إنّها زوجته، ومنذ دخولها، هاجمتني شاتمة:

– “إذن! هذه هي أنت؟ كنت معه في السيارة أيتها العاهرة، رغم تستّر من حولي على الأمر، بيد أني أيقنت أنه لم يكن وحيدا!”

لا أريد رؤية هذه السيدة! لماذا تزوجتها؟ كيف يمكن تحديد السبب؟ لقد جعلتني دائما أحس بالتعاسة، وخمّنت أن هذا الإحساس متبادل، نعم، إنه كذلك دون ريب، لكن، ليس لدي أي دافع يجعلني أستمر في تحمل هذه المخلوقة المتظلمة دائما، لذلك لم أتورع في طردها بفظاظة، هتفت قبل المغادرة:

-” ما جعل الكيل يطفح أنه تركني معدمة دون مال!”

هذا ما أقلقني إذن! مشاكل مالية لأن أعمالي تزعزعت وشهدت اختلالا.

إن مانحي لذاكرته وجد نفسه مطالبا بإعلان إفلاسه، وهو ما يطرح احتمال أنه انتحر!

كيف يمكن الجزم وحسم الإجابة في هذه المسائل السابقة، ومهما كانت الحقيقة، ما همني فيها؟

بكل بساطة، مواصلة تنقل هذه المرأة في أزقة ذاكرتي مثل أمرا شنيعا.

حين نجحت في الوقوف متزنة، أدركت أني وحيدة، فقد خسرت أصدقائي الذين عمّروا ذاكرتي القديمة. وعوضا عنهم غدا لدي صحب ربطتني بهم صلة ما، وقررت التعرف عليهم.

في مفكرة الرجل، عثرت على قائمة أرقام الهاتف، فطلبت أحدها بالمصادفة:

– “أنا صديقة فلان. يسرني أن نحدد موعدا لـ…”

قطع الاتصال قبل إتمام جملتي. طلبت رقما ثانيا، فأجاب صاحبه:

– “ابن العاهرة! لقد قضى نحبه وهذا أفضل!” ليغلق الهاتف بعد ذلك، وتذكرت أني تسببت في إفلاسه.

اتصلت بشخص آخر تحلى بالتهذيب: إنه صديق من أيام الجامعة وتذكرته شابا بجسم رياضي، وخرقنا سويا كل المحظورات، استدعاني على العشاء مع زوجته وأكد وهو يحاورني:

– “لقد تسلينا كثيرا معا!”

– “هو لم يستمتع، لطالما استبد به الذعر!”

– “أنت لا تعرفينه، لقد كان مستعدا للإقدام في كل موقف!”

– “لقد شكّلت عنه فكرة خاطئة! إنه فتى يرثى له، فأبوه لم يحبه قط وهو ما جعله دائم الشعور بالسخط نحوه!”

– “إذا كان الأمر على هذه الشاكلة، فقد وضحت جانبا أجهله عنه!”

عزّزت زوجتي كلامي مؤكدة أنه لم يكن سعيدا.

من يمكنه معرفة ذلك أكثر مني؟  مازلت أحمل هذا الجرح الذي لم يندمل حتى بعد ثلاثين سنة!

اتصلت أيضا بزميل عمل سبق وأن أدار له شركته، فباح لي:

– “لم يتوخ الحذر، لطالما اندفع، وذاك جزء من موهبته، إلا أن منافسيه سحقوه! واثق أنه لو عاش، لنجح في إعادة الأمور إلى نصابها'”

أكيد! لقد كنت مدركة لما يتوجب عليّ فعله للخروج من الأزمة الخانقة التي وجدتني محشورة فيها. وجهت بعض الكلمات لمخاطبي الذي أذهله مدى براعتي في تحمل هذه المسؤولية، لم يتوقف الأمر عند الإعجاب، وإنما اقترح الاشتغال معه، غير أن ضالتي ليست عملا، ما أبحث عنه هو إعادة نسج شبكة صداقات عن طريق ذاكرتي الجديدة… واستنفدت المحاولة وقتا طويلا ولم تحقق الغاية المنشودة إلا بقدر طفيف.

لا نعيش دون جذور، وجذوري الخاصة اقتلعت والجديدة اصطناعية يتعذر ريها بالحياة.

المقابلة الوحيدة التي تجلت جدواها هي تلك حصلت مع سكرتيرتي جان التي كرست جهودها لخدمتي منذ تسلمت إدارة المصحة أين نقدّم خدمة الاستنساخ.

توضّح ذاكرتي أنه تم التوسع دون اعتبار طاقة الميزانية على تحمل المصاريف، وارتكبت أخطاء جسيمة في التصرف، وتسببت تكاليف الإشهار في خسارة مالية جسيمة، غير أن نقاطا عديدة بقيت بالنسبة لي غامضة.

أصرت جان على إقصاء أولئك الذين خانوا، في الآونة الأخيرة، مصالح مديرها السابق، وأضافت قائلة:

-” لم يرغب أبدا في الاعتراف بذلك، وهو ما قاد أعماله إلى الضياع!

ذكرت ثلاثة أسماء. هل يمكن تصديق ما تفوهت به، وذاكرتي تبوّبهم كشركاء أوفياء مخلصين!

وثقت فيها، وقطعت علاقتي بهم وفتحت بحثا حول اختلاساتهم، واستهللت إدارتي العامة بذاك العمل الذي تبعته أعمال أخرى حيث تجلت نجاعة نصائح جان التي تتزود من نبع الحكمة، وهو ما جعلني أقر أنها شخص مميز في كل ما تتسم به من صفات.

أشارت ذاكرتي أنها كانت خليلتي، وهو ما لا يمكنني فعل أي شيء حياله، غير أني عاملتها بقدر كبير من الاحترام ورفعت راتبها بعد أن تم استغلالها لوقت طويل.

حدثتني باحتراز عن ليلي والتي لم تمثّل بالنسبة لي سوى شقراء صغيرة خضت معها مغامرة غرامية لا مستقبل لها، غير أن جان أكدت أنه بعد تركي لها، رزقت بمولود مني، ووجدت نفسها في وضعية صعبة تواجه ظرفا عصيبا.

طفل! لم يكن ينقصني إلا هذا! إنّه لا ينتمي إلى ذاكرتي، ولا أريد التحدث بشأنه ولا سماع من يخوض في أي مسألة تتعلق به، ولم يسعني إلا تكليف السكرتيرة بمنح أم الطفل بعض المال.

حكاية الطفل هذه ما انفكت تهاجم ذاكرتي بين فينة وأخرى، وتشغل بالي، ولطالما أحسست أن طريقة تعاملي مع المسألة تدفع جان إلى إصدار أقسى الأحكام علي، لكني في نهاية الأمر لست الأب نويل!

تحسنت وضعية المصحة بسرعة إذ تضاعفت عمليات الاستنساخ لأنها غدت صيحة دارجة إضافة إلى تجنيد أحسن المتمرسين في هذا الاختصاص.

في لحظة ما، شعرت أني استنفدت جهودي وما عدت قادرة على الاستمرار في العمل عشر ساعات يوميا. لا أنكر شعور الرضى الذي تملكني، غير أني ضجرت.

لا يعوزني المال، رغبت في السفر والذهاب إلى المريخ، إذ بلغني أنه تم الانطلاق في تنظيم رحلات إلى هناك مع الإقامة والسياحة، لكني، صرفت النظر عن الفكرة لأني لم أجد من يرافقني.

كما سلف وذكرت، لم أعد أعرف أصدقائي القدامى بخسارتي لذاكرتي الأصلية والشخص الذي صرته عاجز عن تكوين علاقات جديدة. تراني أخطأت حين اخترت ذاكرة رجل؟

حين بدأت في رؤية كوابيس مفزعة، بطلها طفل مرعوب وأبوه يضاجعه، لم أقو على التحمل أكثر، واتصلت بجرّاحي الذي وجدته مغتبطا ويتحدث بكل اعتداد بالنفس فخورا بجراحته التي دشنت سلسلة العمليات الناجحة، وسألني عن حالي فأجبته:

– “لست على ما يرام، إن الشخص الذي منحتني ذاكرته فاقني شقاء، أدري أن هناك ذكريات سيئة في جميع الحالات… هل كلّ الناس تعساء؟”

– “ليست هناك ذاكرة سعيدة… وإن وجدت فهي نادرة!”

– “هل تستطيع أن ترجع إلي ذاكرتي الخاصة… أقصد تلك الحقيقية؟”

– “غير ممكن! آسف، لقد أتلفت!  إن نتائج العملية نهائية! عند الضرورة القصوى، يمكننا أن نزرع لك ذاكرة أخرى جديدة، لكن دون التنبؤ بخباياها، إنها مخاطرة، هل تجازفين؟”

(ترجمة بتصرّف)

 

نشر هذا النصّ في مجلّة حروف حرّة، العدد 12، فيفري 2022، ص. ص. 12-15.

للاطلاع على كامل العدد: http://hourouf12.tounesaf.org

 

 

Please follow and like us:

اترك رد

Verified by MonsterInsights