هاربة من طفولتي

بقلم: نيران الطرابلسي

حين فتح باب البيت، لم أستطع أن أمدّ يدي لأصافحه، ولم أستطع أن أتركه يقبّل وجنتيّ… كان جسدي يرتعش، وأنا أمدّ له باقة الورد وقارورة النبيذ، فيما كان هو يبتسم و يدعوني للدخول… لا أعرف كيف غاب عنّي فجأة لأجد نفسي في رواق ضيق، على جانبي الأيمن غرفتان مغلقتان وما يماثلهما على جانبي الأيسر، وفي نهاية الرواق غرفة واحدة، ومرآة صغيرة بجانب باب البيت … رحت أنظر إلى وجهي، محاولة ترتيب شعري و تعديل أحمر الشفاه، وأنا أتساءل إلى أين كنت أنظر حين اختفى هكذا؟ من أي باب دخل؟ كيف يتركني عالقة هنا؟ في الحقيقة كان المنزل عاديا، فلا يوجد ما يشدك إليه، وهو ما فتح نافذة على هذه الأفكار التي تسلبني من الواقع، نحو تساؤلات عدة… ما الذي يجعل رجل مثله يهتم بي؟ لم ألتق به سوى مرتين، هل كانتا كافيتين فعلا لجعله يعجب بي؟ كنت أحاول أن أسيطر على نفسي، لم أصادف يوما رجلا بمثل وسامته وذكائه، أنا التي تخاف الرجال القادرين على السيطرة علي، الذين يجعلونني أقع في حبهم، لطالما هربت منهم إليّ، لا أعرف كم من الوقت مضى وأنا أحدق في المرآة، وروحي غائبة كلّيا عن هذا العالم، حتى أني لم أسمع صوت خطواته وهو يقترب مني، فجأة ايقظني صوته فارتبكت فرائصي واضطربت خوالجي وأنا ألتفت إليه.

-ماذا تفعلين هنا؟

-لم أعرف من أي باب أدخل.

كان يجب أن أبقى واعيّة، مسيطرة على ذاتي ومشاعري … أين الفراغ الذي كنت أشعر به منذ قليل وأنا أختار الورد؟ أين النصائح التي أمليتها على نفسي طوال الليلة الفارطة؟ كيف ضاعت سيطرتي الآن على كل شيء؟… سأعمل على أن أكون تلقائية وعفوية في جميع تصرفاتي، هكذا سأكون مرتاحة أكثر، إنه مجرّد رجل كباقي الرجال.

دخلنا الغرفة التي بأخر الرواق، الكثير من الدمى مرميّة هنا وهناك، الستائر مدهشة وهي ترفل بالأزرق السماوي فتفتح لك مجال السفر البعيد، غرفة من دون تلفاز ولا مكتبة، طاولة صغيرة في الركن الأيسر عليها أوراق بيضاء، وطاولة صغيرة أخرى في الوسط حولها أريكتان بالأزرق الفيروزي، تكاد تكون الغرفة كلها فضاء من اللون الأزرق، فكنت عصفورا كسر أحد جناحيه، يحاول أن يسيطر على نفسه ويحلق بعيدا بعيدا..

جلس أمامي، وقبل أن يتناول سيجارته، قال بصوت خافت :

-شكرا لأنك قبلت دعوتي هذه الليلة.

-أتى بي الفضول، كنت أريد أن أعرف ماذا يريد مني رجل وسيم مثلك.

-شكرا، لطالما كنت خائفا ألا تقبلي دعوتي… فقد كنت أعتقد أنك تخافين دخول منازل الغرباء. ثم كيف تختارين الورد على ذوقك دون أن تسألي أي الأنواع أحب؟ أما النبيذ فكان عليك أن تعلمي أني لا أشربه…

كان هادئا جدا، وما كنت أجد الكلمات لأردّ عليه، حدقت في الفراغ شاردة أبحث عن نفسي وعن الإجابات التي تزاحمت وارتبكت دون أن تجد مخرجا واضحا. رفع يديه ملوحا بهما في حركة دائريّة أمام عيني، ودون أن أنظر إلى عينيه، التي تحرق جسدي النحيل بلونهما الأزرق .

-أسفة، أخذني التفكير… أولا، لا شيء يجعلني أشعر بالخوف، فقد التقينا مرة بالمقهى ومرة في مكان عملي، ووأنت وبيتك لا تبعثان الرعب في، (كنت أكذب فقد كنت مرعوبة حقا). ثانيا، أنا أحب النبيذ والورد، واعتقدت أن رجلا مثلك لابد أن يحبهما…

اقترب منّي إلى أن أصبح في موضع يمكنني استشعار أنفاسه الحارة، لا أعرف كيف أغمضت عيني، فسمعته يقول:

-أنا في حاجة إليك.

بقيت على تلك الحالة للحظات، أنتظر أن تلمس شفتاه شفتي، لكن لا شيء من ذلك حدث… حين فتحت عيني لم أجده، ازدادت نبضات قلبي تسارعا أكثر وأكثر، كان قلبي بين يدي حين دخل مرة أخرى ليجدني مازلت مندهشة مذهولة، وقلبي يرتعش بين يدي.

-ماذا تريد مني؟

-أريدك أنت

-لم أفهم

-ألم يسبق أن قال لك رجل أريدك؟

-بلى… ولكن لماذا طلبت مني المجيء؟

-لأن هناك أشياء لا نستطيع أن نفعلها في المقهى

ـ مثل ماذا؟

-تعالي… أريدك بشدّة، وأحتاجك أكثر، هات يدك.

رميّت قلبي تحت الطاولة، لأتخلص من هذا الشعور الجنوني تجاهه، كنت أتبعه ويده ممسكة يدي، وفي داخلي صوت قوي “كوني أقوى… كوني أقوى..” دخلنا الغرفة الأولى على الجانب الأيمن… لا شيء في الغرفة يلفت الانتباه سوى الدمى المرميّة على الأرض… واللون الأزرق الذي أظنّ أنه يحتلّ كل البيت، اقترب مني إلى أن بدأت أشعر بهزات قلبه… وألتمس حرارة أنفاسه… اقتربت شفتاه من أذنيّ وبصوت يكاد لا يسمع قال:

-لا تخبري أحدا بكل هذا..

للحظة شعرت أني أكثر النساء حظا وأكثرهن سعادة أن أحظى ولو لساعة واحدة برجل مثله، لم أكنّ أريد أن أعرف عنه شيئا… كنت أريد أن ننغمس أكثر، أن نذهب أعمق وأعمق، كنت على وشك أن أضع يدي في شعره… وأن أدخل فيه للأبد… لكنّي لا أعرف كيف ابتعد فجأة ثم قال:

– اقتربي أرجوك…

حين التفت إليه، كانت الخزانة مفتوحة وبين يديه فتاة صغيرة أظن أنها لم تتجاوز الخامسة بعد.

– إنكِ الوحيدة القادرة على شفائها، لم أستطع أن أخرجها من وحدتها، ولن يستطيع أحد سواك أن يفعل ذلك…

ركضت إلى الباب بكلّ ما أتيت من قوّة وكلّما داهمني المشهد، أركض أكثر وأكثر… ومازلت أركض إلى الآن هاربة منّي ومن طفولتي…

Pin It on Pinterest

Share This