د. محمود الذوادي يحاضر حول “الازدواجية اللغوية الأمارة والتخلّف الآخر”

2

انتظمت يوم السبت 18 جانفي 2014 بقاعة المحاضرات  بدار الكتب الوطنية محاضرة بعنوان ’’الازدواجية اللغويّة الأمّارة والتخلّف الآخر’’ نظمتها جمعية  تونس الفتاة. وقد ألقى المحاضرة الدكتور محمود الذوادي وهو أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية وصاحب عديد المؤلفات من بينها : ’’ الثقافة بين تأصيل الرؤية الإسلامية واغتراب منظور العلوم الاجتماعية”، و”حول علم اجتماع إسلامي للرموز الثقافية، و’’العولمة والتخلف الآخر: الهويات الثقافية للعالم الثالث”، إضافة إلى عشرات المقالات والدراسات والأبحاث باللغات الثلاث وبالعديد من المجلات.

وقد تولى رئيس جمعية تونس الفتاة التعريف بالدكتور محمود الذوادي ،كما تولى تقديم أهداف الجمعية وتقديم المحاضرة بإيجاز قبل أن يفسح المجال للمحاضر.

تعرض الدكتور الذوادي في بداية المحاضرة إلى مجموعة من الظواهر التي تولى رصدها  لدى الشعب التونسي ومن أهمها استعمالهم للغة الفرنسية في كتابة الصكوك عوضا عن استعمال اللغة العربية، كما لاحظ أن اغلب الفضاءات التجارية الكبرى يكتبون أسماء الغلال و الخضر باللغة الفرنسية و هو ما أثار استغرابه، وذكر أنه  توجه نحو أحد العاملين هناك ليسأله إن كانت هناك احتجاجات من قبل بعض الزبائن  بسبب استعمال اللغة الفرنسية إلا انه فوجئ بإجابة مفادها انه لم يتم تسجيل أي حالة استنكار لاستعمال اللغة الفرنسية. كما أكد أنه حريص دائما على استعمال مصطلحات باللغة العربية، كأن يستعمل مصطلح جوال عوضا عن بورتابل وهو ما عبر عنه بأهمية التعريب النفسي، مشيرا إلى أن الجيل الجديد له علاقة غير سليمة باللغة العربية، أي أنه يغلب عليه سلوك لغوي متأثّر بالظاهرة الاستعماريّة يفصح عن عقدة التبعية وفقدان التحرر اللغوي الثقافي بعد الاستقلال .مؤكدا على أن ظاهرة الاستعمار اللغوي الثقافي تعد من  أخطر أنواع الاستعمار، فعندما تأتي إلى شعب و تغير ثقافته فذلك  يمس من هويته.

ثم تطرق الدكتور محمود إلى نظرية الرموز الثقافية مشيرا إلى أن الإنسان هو كائن ثقافي بالطبع وأن اللغة هي أم الرموز الثقافية  وبالتالي تعد قضية اللغة قضية أساسية، ويكمن الإشكال في التعامل مع اللغات الأجنبية بكثير من الجهل وذلك بعدم وضع شروط تحدد كيفية التعامل معها.

وقدم الدكتور المحاضر تصوره لمفهوم التخلف الأخر مبرزا أنّ التخلّف في المجتمعات النامية لا يتعلّق فقط بالجانب الاقتصادي، بل هو بالأساس ذو بعد ثقافي من أهمّ تمظهراته ضعف العلاقة باللغة الوطنية وعدم إيلائها المكانة التي تستحقّ أن تنالها.

كما حدد الدكتور المحاضر تشخيصه لمشكلة التونسي مع اللغة العربية من خلال مفهومين وهما الازدواجية اللغوية الأمارة و الازدواجية اللغوية اللوامة:

ويقصد بالازدواجية اللغوية الأمارة أن تتآمر على لغتك فتتجرد من أي علاقة نفسية معها، حيث لا تكون فيها للغة الوطنية المكانة الأولى في القلوب و العقول حيث لا  تحتل اللغة العربية  المرتبة الأولى عند من يعانون من هذا النوع من الازدواجيّة على المستوى النفسي و الذهني وعلى مستوى الممارسة والاستعمال، وهو عكس ما ذهب إليه أصحاب الازدواجية اللغوية اللوامة الذين يغارون على لغتهم ويتحمسون للدفاع عنها و لاستعمالها رغم  أنهم يجيدون  لغتين أو أكثر ولكنهم يلومون أنفسهم  إذا لم يستعملوا اللغة العربية و ذاك دليل على علاقة وثيقة مع اللغة الوطنية، ولا يجعلون اللغات الأجنبية تحل مكان اللغة العربية مبرزا أن التعريب النفسي يقصي وجود الازدواجية اللغوية الأمارة ويعوّضها بالازدواجية اللوامة .

كما تعرض الدكتور محمود الذوادي  إلى علاقة اللغة بالهوية، والتي  تبرز من خلال إدراك أن بعض الخصائص هي التي تميزك عن غيرك، فالهوية مرتبطة أساسا بقضية اللغة التي نتكلمها معتبرا أن  اللغات المختلفة للأفراد و الجماعات و المجتمعات و الشعوب  تعد محددا بارزا للهويات الفردية والجماعية المتنوعة التي تعرفها القارات الخمس.

وبيّن  الدكتور محمود أهميّة عامل اللغات في تحديد الهويات لدى الشعوب و المجتمعات التي توجد فيها أكثر من لغة مستشهدا  بمثال المجتمع الكندي الذي يستعمل لغتين رسميتين وهما الانجيلزية والفرنسية، منتقلا إلى الاستشهاد بالمجتمع العراقي الذي يستعمل لغتين رسميتين وهما العربية و الكردية، فاللغات المحلية للمجموعات اللغوية في هذه المجتمعات المزدوجة اللغة هي التي تحدد أكثر هويتهم فسكان مقاطعة كيباك بكندا يعرفون هويتهم في مقام أول بلغتهم الفرنسية و كذلك الشأن لدى أكراد العراق .

 و ذكر الاستاذ المحاضر انه توجد أقلية تونسية فرانكفونية لغة وثقافة و فكرا تشكك في انتساب الشعب التونسي إلى الهوية العربية الإسلامية، مؤكدا  على بطلان خطاب المعارضين للفصل 38 من مشروع الدستور الذين ينكرون  وجود مشكل  مع اللغة العربية  والانتماء إلى الهوية العربية الإسلامية.

وتوصل  الدكتور الذوادي في أخر المحاضرة لتحديد علاقة التونسي باللغة العربية  واعتبرها خالية من التعريب النفسي، وأشار إلى بروز ثلاث أصناف تعكس أعراضا سلبية بالأساس على الهوية التونسية  التي وصفها  بالتصدع و الارتباك والانفصام نتيجة غياب الازدواجية اللغوية اللوامة وغياب التعريب النفسي والحضور الكبير للازدواجية اللغوية الأمارة .

        وبمجرد أن انتهى الدكتور المحاضر من عرض محاضرته، تمّ فتح المجال لأسئلة الجمهور الحاضر الذي أبدا حرصا شديدا على التفاعل مع ما سمعه في المحاضرة وذلك بتقديم مداخلات بهدف إثراء موضوع الازدواجية اللغوية و طرح بعض التساؤلات، حيث بلغ مجموع المتدخلين خمسة عشر.

 وتساءلت سوسن فري حول تطوير اللغة العربية وعن مدى مساهمة وسائل الإعلام في إضعاف علاقة التونسي باللغة العربية. كما تساءل أمين الزقرني عن فائدة فرض قوانين فوقيّة لدعم استخدام اللغة العربية .في حين اختار كل من الأستاذ محمد الجويني و الأستاذ فرج معتوق تقديم بعض الشهادات لما عايشاه حول مسالة الازدواجية اللغوية حيث ذكر الأستاذ محمد  أن اللغة العربية هي لغة الوجدان وان  الجانب الاقتصادي ساهم في النفور من اللغة العربية ،لأن كل من اختص في دراسة اللغة العربية تنقص حظوظه في إيجاد عمل، و بما أنه أستاذ إعلامية فقد أكد أن الاعتناء باللغة العربية يضاهي الاعتناء بالإعلامية .أما الأستاذ فرج معتوق فقد تحدّث عن مجموعة من النقاط أهمها  أن المشاكل هي من المواطن و ليس من اللغة، وأكد أن 90بالمائة من مشاكل اللغة العربية هي نتيجة للهزيمة و لنكران الذات واحتقار كل شيء فينا …واستشهد بعبارة هايدغر “اللغة هي بيت الكائن” ليتساءل: ماذا فعلنا ببيتنا؟ وأشار أن اللغة العربية مهزومة في تونس  خصوصا وأن اللغة التي لا نستعملها تموت. وأشار إلى أنّه لا وجود للغة تداني العربيّة التي تملك عبقريّة ذاتيّة فريدة من نوعها.

أما وسام المكّي فقد قام باقتراح مصطلح جديد وهو الازدواجية اللغوية المطمئنة اعتبرها المثل الأعلى للعلاقة مع لغتنا الوطنية، طارحا تساؤلا  عن مدى صحة اعتبار أن تجذير الهوية العربية فيه تهديد للمكاسب ؟. وتحدّث حمدي العبيدي عن ضرورة إصلاح النظام التعليمي وعن عجز  العرب عن ترجمة مؤلفاتهم .

 وتساءلت وداد الحجري إن كان استعمال اللغة كافيا وحده في غياب مشروع ثقافي شامل. أما نجلاء قارة مصلي، فقد قالت أنّ مفهوم الغصّة اللغوية الذي تحدّث عنه المحاضر والذي يعني عدم قدرة التونسي على إكمال جملة دون عبارات فرنسية  لتقول أنّ المسألة لا تتعلّق بعجز، بل في رغبة في التباهي بمعرفة اللغات الأجنبية.

كما تساءل الشاعر معز الحامدي عن علاقة اللغة العربية في المجتمع العربي بالعولمة و بصراع الحضارات  و أشار أنه  بعد ثورة 14 من جانفي تمت إثارة مسالة  استعمال اللغة الأمازيغية في تونس، طالبا معرفة رأي المحاضر في هذه المسألة.

وأكد أيوب الشارني في مداخلته أن اللغة الفرنسية هي لغة استعمارية و بالتالي يجب الإقرار بأن المشكل بالأساس هو سياسي. وذكر الأستاذ محمد صالح بن ميلاد مثالا طريفا عن الازدواجية الأمارة، حيث أنّ إحدى الفتيات فسخت خطوبتها لمجرد أن خطيبها لا يتقن اللغة الفرنسية.  في حين اعتبر وليد جعفر أن مبدأ التعايش يقتضي ضرورة أن يكون هناك تقبل لاستعمال مختلف اللغات دون أن تكون هناك وصاية على فرض استعمال اللغة العربية، ولكل الشخص الحرية المطلقة في اختيار استعمال اللغة التي تروق له. طارحا مسالة إذا كانت الدراسة باللغة العربية فكيف يمكن المشاركة في مناظرات الدخول بالجامعات الأجنبية، وخصوصا بالمدارس الكبرى في فرنسا معتبرا أن الإنتاج واستعمال اللغة العربية هو الضامن لديمومتها، خاتما مداخلته بالتأكيد على كل لغة تمتاز بمواطن قوة، وعليه فان كل لغة لها محاسن تجعلها تعبر أكثر من لغة أخرى.

وأشار عصام الصغيّر إلى أن الشعب التونسي يعاني من تخلف في اللغتين العربية والفرنسية وأنّنا لم نعد نتقن استعمال أي لغة بطريقة سليمة.مؤكدا على ضرورة تطوير اللغة العربية لتواكب تطور الاختصاصات العلمية، فالمسالة تتطلب الكثير من العمل…خاتما مداخلته والتي أكد فيها على  خطورة تدخّل الإرادة السياسية في فرض استعمال اللغة العربية، مستشهدا  بتجربة هواري بومدين بالجزائر الذي قام بقمع الأقليّة الناطقة بالأمازيغية وتواصل ذلك فترة طويلة حتّى سمح الرئيس بوتفليقة بتدريس اللغة الامازيغية تفاديا للصراعات .وطرحت الأستاذة هادية بهلول تساؤلا مهمّا: لو كنا متقدمين علميّا فكيف سيكون مصير اللغة العربية؟

وختم رئيس الجمعية بطرح تساؤلين تمثل الأول في تحديد دور الاكادميات اللغوية. أما التساؤل الثاني حول تحديد السبل الكفيلة لتطوير الترجمة.

وقد أبدى الدكتور الذوادي حرصا شديدا على تسجيل مختلف التساؤلات حتى يتمكن من تقديم إجاباته عليها، مبرزا  في ردوده أن  استعمال اللغة العربية هو أحسن سبيل لتطويرها ذلك أن استعمال اللغة يجعل الناس يبحثون عن مصطلحات ومفردات جديدة، كما أشار إلى أن  الإشكال يكمن في غياب التحسيس بضرورة استعمال اللغة العربية، علما وأن أغلب الطلبة يتقنون اللغة العربية أكثر من اللغة الفرنسية..وذكر الدكتور محمود أن الازدواجية اللغوية المطمئنة لا تبتعد كثيرا عمّا سمّاه الازدواجية اللوّامة. أما عن مسالة اللغة الأمازيغية، فقد أكّد الأستاذ المحاضر أنّه يدافع بقوّة عن استعمال اللغات الوطنية، بما في ذلك الأمازيغية في تونس لدى متكلّميها، مشدّدا في نفس الوقت على  أن نسبة المتحّدثين بالأمازيغية في تونس لا تتجاوز 1 بالمائة و بالتالي يجب أن لا نبالغ في الحديث عن ازدواجية لغوية عربية أمازيغية، مبرزا كذلك أننا لسنا صناع تكنولوجيا ولكن لا توجد سياسات تمنع إدخال جوال ليس فيه حروف عربية. وذكر المحاضر أنّ الرئيس بورقيبة لم يكن متحمسا للتعريب على خلاف  الرئيس بومدينذو التكوين الزيتوني الأزهري الذي كان متحمسا للتعريب، وبالتالي فالقرار السياسي هو انعكاس للاعتقاد الثقافي لدى المسؤولين السياسيين. وقال أنّه إذا سمحنا بفرض منطق اختيار اللغة المستعملة يجب حينها أن نقر بأنّ ثقافتنا فرنكو أراب ! كما أشار إلى أنّ الحديث عن المدارس الكبرى في فرنسا كنموذج للمدارس الناجحة يعكس تاثّرا بالثقافة الاستعمارية. وأكّد على أنّ الإشكال يكمن في نقص الاعتزاز بما لدينا مشيرا إلى أن الإنتاج ليس دائما داعما للغة العربية بدليل أن عددا من المفكرين والمبدعين التونسيين ينتجون عديد من الكتب القيّمة  ولكن باللغة الفرنسية وليس باللغة العربية، معتبرا أن الترجمة هي حل من الحلول لتدعيم اللغة العربية.

Please follow and like us:
One Comment

اترك رد