المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة : تفكير في المرأة أم في المليون امرأة ؟؟

بقلم: محمد أنيس الحمادي

أثار خطاب رئيس الجهورية الأخير بمناسبة عيد المرأة، وإعلانه عن المضي نحو ضرورة المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة، جدلا كثيرا وانقساما كبيرا في صف الشعب التونسي، بين من يؤيد هذا القرار بتعلة أنه ليس لا من العدل ولا من المساواة أن يقع إعطاء المرأة نصف ما يرث الرجل، وأن للمرأة في عصرنا الحالي مساهمة بالتساوي بل وأكثر من الرجل في بعض الحالات في توفير الموارد المالية للعائلة، وبين من يرى أن هذا تجاوز وتعدّ لحدود الله، وهو أمر مرفوض ولا جدال فيه.

طبعا من الناحية الشرعية، الكل يعلم أن النص القرآني في هذه المسألة واضح ولا يقبل التأويل حيث يقول الله تعالى في سورة النساء : « يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا »[1]، أي أنّ نصيب الابن الذّكر يساوي ضعف ما ترثه الابنة الأنثى.

كما جاء في الصحيحين أنه قد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه أمر بقسمة الميراث على مستحقيها فقال : « اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر»، وليس المراد بأولى هنا أحق، بخلاف قولهم : الرجل أولى بماله؛ أنه لو حمل هنا على “أحق” لخلا عن الفائدة، لأنَّا لا ندري من هو الأحق[2].

فيما أعلنت دار الإفتاء بالجمهورية التونسية في تدوينة مدحيّة لها على صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك facebook أن الرئيس الباجي قائد السبسي يمثل أستاذا وأبا لكل التونسيين، وقد كان كعادته رائعا في أسلوبه المتين وكان مقترحه داعما لمكانة المرأة وضامنا ومفعّل لمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق الواجبات -على حد تعبيرها – دون الدخول في أي تفاصيل أو اجتهادات شرعية تدعم أو تعارض ما تفضل به الرئيس في خطابه، قبل أن تقوم في وقت لاحق بحجب الصفحة مؤقتا من على الموقع.

من الجانب القانوني يقول الفصل الأول من دستور الجمهورية التونسية: « تونس دولة حرّة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها. (لا يجوز تعديل هذا الفصل) ». وهذا يعني أن النصوص القانونية في تونس يجب أن تتماشى وما جاء في الإسلام وكتاب القرآن من أحكام.

يُذكر أن اللافت للنظر، وما يثير التعجّب هو ردة فعل عدد من الشخصيات التي حضرت الخطاب في قصر الجمهورية بقرطاج بالتصفيق الحار عند الإعلان عن قرار المضي في المساواة بين المرأة والرجل في الميراث، رغم مخالفته لما جاء في الدستور، وفي الفصل الأول الذين قاموا في السابق إبان جلسات المجلس التأسيسي بالاستماتة على بقائه كما هو، من دون إدخال أي تغيير في محتواه، وهنا للتوضيح نحن لا ندعو إلى تغيير هذا الفصل نظرا لأن بقاءه كان مطلبا شعبيا في تلك الفترة لما يمثله من ناحية في ضمان المحافظة على عادات ونمط حياة اعتاده الشعب التونسي منذ عقود، ومن ناحية ثانية في استمرارية مدنية وحداثة الدولة التونسية، بل أردنا التنويه إلى ضبابية وعدم مفهومية هذه الأحزاب والحركات في المواقف.

أما من الناحية الاجتماعية، فلا يخفى على القاصي والداني ما تعيشه البلاد في الوقت الراهن من مشاكل تحتاج إلى حلول عاجلة في جميع المجالات، وعلى رأسها مسألة البطالة التي أصبحت تمثل كابوسا مزعجا لدى المرأة التونسية، فبدل أن يوقظها منه ويحملها نحو واقع سعيد تجد فيه كرامتها بعملها ودَخْلها، زادها الآن سيادته مشكلا جديدا، كنّا في غنًى عنه، قسّم به الشعب التونسي إلى نصفين، بعد ما عاشه الأخير من أحداث أخيرة تمثلت في سلسلة حرائق جدّت بعدّة مناطق من الجمهوريّة التونسيّة، متسبّبة في خسائر فادحة على مستوى الثروة الغابيّة والحيوانيّة، وفي تهديد حياة آلاف المتساكنين في جملة من القرى، مازلنا إلى حد الآن في انتظار تقديم المتسببين فيها إلى العدالة.

أيضا ومن الجانب الاقتصادي فالمشكل الحقيقي الآن الذي تعانيه البلاد هو اقترابها تدريجيا وبخُطًى ثابتة نحو حالة الإفلاس، نظرا لما عانته في السنوات الخمس الفارطة من تعاقب للحكومات، وسوء تصرف، ومن مغادرة عدد هام من المستثمرين نحو دول أخرى، هذا بالإضافة إلى تدني ثقافة العمل عند المواطن التونسي، وأضف إلى ذلك الإضرابات وقطع الطرقات المستمر، ولذا وكي لا يزيد الأمر تعقيدا كما صرّح مؤخرا وزير المالية بالنيابة، يبدو أنه وجب على الدولة ضرورة إيجاد حلول سريعة لمساواة الدينار التونسي مع اليورو الأوربي، قبل مساواة المرأة بالرجل في الميراث.

أما سياسيا، ألم ينتبه رئيس الجمهورية أنه بالمضي في هذا القرار فعلا قد ينجح في إعادة استمالة المليون امرأة التي ساهمت في فوزه في الانتخابات الرئاسية 2014، ولكنّه قد يساهم كذلك عن غير قصد في لملمة شمل الفرقاء في الأحزاب السياسية ذات المرجعية الدينية، وإعادة توحيدها نظرا لما يمثله الأمر من ضرب وحرب على الإسلام في تونس حسب رأي أحبائها، وبالتالي تضامن هذه القواعد الانتخابية وتوحدها في الاستحقاقات القادمة، واختيارهم لحزب واحد قد يرونه القادر على لم شملهم وإقصاء الطبقة السياسية الحالية التي لا تتماشى مع أيديولوجياتهم، فيكون الرئيس بذلك قد قدّم تمريرة خاطئة للمنافس، في خط وسط الملعب، وقبل ثواني قليلة من انتهاء المقابلة.

في النهاية تونس في حاجة إلى حلول سريعة وناجعة للعديد من المشاكل التي تعيشها، من قبل أن تعصف عليها رياح المتربصين بها فلا تجد عندئذ لا المرأة ولا الرجل ما يرثانه سوى مخيمات اللاجئين التي تفتحها الدول الشقيقة والصديقة.


الهوامش

[1]  القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 11.

[2]  النووي (محي الدين أبو يحيى زكريّا)، المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج: شرح النووي على مسلم، عمّان، بيت الأفكار الدولية، دون تاريخ، ص. 1024.

Pin It on Pinterest

Share This