في الثورة والديمقراطية والعلمانية : ضرورة إرساء قيم الجمهورية

قامت الثورة التونسية من أجل الحرية والكرامة والقضاء على الظلم والديكتاتورية والفساد فهي ليست بثورة الياسمين كما يصفها البعض. أستغرب هذه التسمية وإن كانت تسمية جميلة وربما مفيدة للدعاية من أجل صورة بلادنا في الخارج وتدعيم السياحة. هي تسمية أطلقها بعض الأشخاص الذين لا ينظرون إلى بلادنا إلا عبر منظار المشموم والبحر والشمس !
لقد بعث الإنسان العربي من جديد عشية الرابع عشر من جانفي 2011 فتمت “تونسة العرب” ودخلت حينها قوافل العرب باب التاريخ الإنساني الذي يحمل قيما كونية تتجاوز العقائد واللغات والأعراق. إنها قيم الحرية والكرامة، قيم حقوق الإنسان والديمقراطية.
انتشرت العدوى سريعا من قرطاج إلى الإسكندرية مرورا بسرت وعدن وحلب ولعلى القائمة ستطول مع الأسابيع والأشهر. سقط  جدار الخوف ونادى العرب بالحرية والديمقراطية والكرامة .
لقد التحق الشعب التونسي بركب الأمم الحديثة وأثبت الشعب أن فكرة الديمقراطية ليست غربية أو شرقية بل هي كونية إنسانية تتجاوز الحدود والثقافات. لقد ماتت الفكرة القائلة بأن الديمقراطية قيمة غربية المنشأ وبالتالي هي بضاعة مستوردة ودخيلة علينا.
لم نرى ولم نسمع شعارات دينية رفعت خلال الثورة التونسية بل لعله من المفارقات أن يتم الاستنجاد بمصطلح فرنسي للتعبير عن قمة الغضب الشعبي: كلمة إرحل “ديقاج”.
يوم الرابع عشر من جانفي في شارع الحبيب بورقيبة سمعت وردّدت الكثير من الشعارات التي كانت تكتسي صبغة علمانية أي دنيوية وغير مقدسة ردّدنا النشيد الرسمي التونسي وكلمات شاعرنا الشابي “إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر”. أنه من المفارقات أن يهزم الشعب القدر، هذا القدر المقدس في الفكر العربي الإسلامي وفي تراثنا وبنية تفكيرنا. (المكتوب على الجبين لازم تشوفوا العين/ الله غالب/ أذاك اللي مقدّرلو).
أن يقوم شاب بحرق نفسه فهذه صفعة مدوية لكل من أراد أن يركب على الثورة أو أن يوظفها لمصالحه الضيقة بناءا على خلفيات دينية. فمعلوم بأن الانتحار هو مناف للشريعة الإسلامية.
لم يندّد أحد بهذا بل ساند الشعب وبارك هذا الانتحار وقام بتشييع جثمان المنتحر بحماسة وبأعداد غفيرة معلنا بذلك قيام الثورة التونسية التي غابت فيها الخلفيات الدينية امام كرامة الإنسان وحرياته.
فلو كان الشعب متشبثا بالشريعة لما ردّد مقولة “إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر” ولاستنكرنا كذلك انتحار محمد البوعزيزي ولكفرّناه ومنعنا دفنه في مقابرنا!
ألم يعتبر مفتي الجمهورية حينها بأمر من زين الهاربين بأن ما قام به محمد البوعزيزي جريمة كبرى توجب تكفير من قام بها وعدم الصلاة عليه وعدم دفنه في مقابر المسلمين (الصباح 9 جانفي 2011)!
لو كنا أوفياء للشريعة لما ثرنا على زين الهاربين فطاعة الحاكم أمر مقدس في الشريعة حتى ولو كان زنديقا فاسدا. أليس السلطان ظل الله على الأرض والخروج عليه هو خروج عن الإسلام “فالسمع والطاعة للائمة وأمير المؤمنين، البرّ والفاجر،…” كما قال ابن حنبل! وكتابات ابن تيميّة والغزالي تزخر بمثل هذا الكلام.
لن أخوض كثيرا في مفهوم العلمانية فلقد تم تشويهها لتصبح كفرا وإلحادا. بينما هي ضمانة قوية للمساواة و للحرية الدينية. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
على التونسيين أن يختاروا صراحة بين مشروع الحرية والحداثة وبين مشروع التخلف والانحطاط. أتمنى شخصيا أن تبقى تونس دولة حديثة منفتحة تضمن حقوق المرأة. دولة يطيب فيها العيش بين الجميع. دولة ديمقراطية تكرّس حقوق الإنسان بمفهومها الكوني وتضمن حرية التعبير والتفكير والمعتقد. أين لا ينزع فيها الحجاب بالقوة ولا ترغم المرأة على ارتدائه كذلك. أين لا تغلق المساجد ولا تشتغل كذلك للسياسة والتعبئة.
أريد أن أعيش في نظام يضمن الحريات الشخصية للإنسان، أفلا يمكن لمن يعشق شرب الخمر ومن يعشق التعبد والصلاة أن يجلسا معا للتحاور من أجل مستقبل تونس الحديثة؟!
لا بد من فصل السياسة عن الدين ودون هذا سننتقل من ديكتاتورية بن علي إلى ديكتاتورية الدين.
كيف انتقلنا اليوم بسرعة مذهلة من خطاب حول الديمقراطية والحرية والكرامة وحق التشغيل والعيش الكريم إلى خطاب حول الدين والإسلام والكفر والإلحاد !!!
لا بد لنا من تجاوز هذه المزايدات والمتاهات فعلى العلماني المتطرف أن يقبل بالحرية الدينية للإسلاميين. وعلى الإسلامي المتطرف أن يقبل بالحرية الشخصية للعلمانيين ودون هذا أي إرساء قاعدة تفاهم تقوم على قيم الحداثة والاعتدال لا يمكن لثورتنا أن تنجح.
لا خيار لنا إلا الاعتراف بقيم ومبادئ تتجاوز مختلف المعتقدات: إنها قيم الجمهورية.
«سنجد طريقا… أو سنخلقه» كما قال حنبعل.

Please follow and like us:

اترك رد

Verified by MonsterInsights